بعد 40 سنة على صدور الطبعة الأولى باللغة الفرنسية، و42 عاماً على اغتيال بشير الجميّل، أصبحت ترجمة كتاب الراهب اليسوعي سليم عبو «بشير الجميّل أو روح شعب» ضرورة ملحّة. والهدف جعلها في متناول أجيال اليوم والغد من قرّاء اللغة العربية، الذين لا يزالون يتساءلون عن سبب احتفاظ «أسطورة بشير» بكامل نضارتها بعد مرور كلّ هذه السنوات.
أُنجزت النسخة العربية بعد الذكرى 42 لاغتيال الرئيس بشير الجميّل، فكان عليها أن تنتظر مناسبةً ملائمة لنشرها. صبيحة يوم الأحد 8 كانون الأول 2024 (سقوط نظام الأسد)، اتّصل صاحب حقوق الكتاب إيف شويفاتي بالناشر، وقال له: «لندفعه إلى الطباعة ولندمغ على الغلاف: طُبع في 8-12-2024. اليوم أخذ بشير حقه». هنا فصل من الكتاب الصادر عن «دار سائر المشرق»، والذي نقله إلى العربيّة الكاتب والإعلامي أنطوان سعد.
لم أختبر يوماً شعور استحالة التعويض، كذاك الذي تملّكني في الرابع عشر من أيلول 1982. لكن، هل هناك لبنانيون كثر لم يختبروه؟ كان موت بشير الجميّل كارثةً وطنية. كان هذا بالضبط هدف المحرّضين على اغتياله. يمكنهم أن يتبجّحوا بنجاحهم.
هناك هوّة بين السياسيين الموهوبين الذين يتحايلون على التاريخ أو يستغلّونه، وبين السياسي العظيم الذي يصنعه. بزغ بشير الجميّل، المسكون بشغفٍ مطلقٍ ببلده وشعبه، والسريع في تمييز ما يجب القيام به، والذي صقلته التجربة وأنضجته التضحية وحرّكته إرادة سياسية لا تتزعزع، كرجلٍ تاريخي في لبنان المعاصر، واعدٍ برجلٍ قوي في الشرق الأدنى. هل يمكن لشخصٍ مثله، مطبوعٍ بمصيرٍ كهذا، البقاء على قيد الحياة في هذه المنطقة من العالم حيث أصبحت تصفية الرجال العظماء تقليداً؟
أحبط بشير الجميّل، قائد المقاومة، طيلة ست سنوات، المناورات السياسية والضغوط العسكرية التي مارسها مَن حلّوا لاجئين على التراب اللبناني، وطمعوا بتحويله وطناً بديلاً، وآخرون فُرضوا على الدولة كـ "قوّة سلام"، ظنّوا، تحت ستار شرعية زائفة، أنّ بإمكانهم تحقيق حلمهم القديم بضمّ لبنان. لقد أصبح مزعجاً، لا بدّ له أن يموت.
كقائد سياسي، تحدّث بشير الجميّل دائماً مع شعبه بلغة الحقيقة، وندّد بلا كلل، بعبارات بسيطة لا لبس فيها، بألاعيب العديد من القادة الإقليميين الوقحة الذين يعتقدون أنهم ينقذون شرفهم عبر إخفاء الحقائق، وأنّ الكذب دبلوماسية، والحيلة استراتيجية، والابتزاز مفاوضات، والقمع إقناع. لقد أصبح مزعجاً، لا بدّ له أن يموت.
كرئيس منتخب، شدّد بشير الجميّل على خياراته الديمقراطية، وأخذ تلقائياً جانب العالم الحرّ، ووجّه ضربةً قاضية، ليس فقط للإيديولوجيات التي ينادي بها قادة الاستبداد والإرهاب الإقليميون، بل أيضاً لطموحات رعاتهم الأقوياء ومحاولاتهم المتكرّرة للسيطرة على لبنان. لقد أصبح مزعجاً، لا بدّ له أن يموت.
غير أنّ المحرّضين على اغتياله ربما لم ينتهوا منه. بقتلهم الرجل التاريخي، جعلوه بطلاً قوميّاً ورئيساً شهيداً، مجتاحاً بموته الوعي الجماعي وقلوب الجميع. "بشير حيّ فينا": بهذه العبارة تنتهي، منذ غيابه، جميع خطب ورثته السياسيين.
كانت صورة بشير الجميّل، المرشّح الرئاسي، الملصقة على الجدران والأبواب والأعمدة والسيارات مذيّلة بعبارة واحدة: "الأمل". في اليوم التالي لموته، عنونت صحيفة فرنسية: "اغتيال الأمل". مهما بلغت قوّة هذه العبارة، فهي لا تعكس سوى التأثير السطحي فقط. اللحظة القاتلة، يمكن للأمل أن ينبعث من رمادها، تحرّكه روح أخرى، تزيل كلّ شيء من طريقه.
لكن لكي تهب ريح الأمل مرّة جديدة، على اللبنانيين أن يقاتلوا، بلا هوادة، نزعةً دهرية ناتجة عن تاريخٍ وطني تتخلّله حروب ومجازر واغتيالات: الميل إلى النسيان، الذي يعني في هذه الحالة، الكبت. نقرأ اليوم تحت بعض الصور العملاقة لبشير الجميّل، المعلّقة على مفترق الطرق والساحات، عبارة "لن ننساك أبداً" هي رغبة جماعية وجدت هنا تعبيرها الشعبي.
ما على كلّ الشعب تذكُّره باستمرار، بعيداً عن الذكريات والمشاعر الفردية، أنّ ما يجب أن نسمّيه "ظاهرة بشير الجميل": رجل جعل أمّة تكتشف نفسها؛ أمّة تكتشف نفسها في هذا الرجل بشكل تام. هذه ظاهرة سياسية عاشتها الأمم العظيمة من وقتٍ لآخر عبر تاريخها. عرفه لبنان في القدم. وفي لبنان الحديث، يظهر لأول مرة، وبذلك، يأخذ قيمة الحدث التأسيسي.
هذا الكتاب لا غرض له سوى رسم مقاربة لـ "ظاهرة بشير الجميّل". إنها مقاربة مواطن لبناني من بين آخرين. وهي أيضاً مقاربة كاتب لا يستطيع أن يطرد "حداده" سوى بالكتابة. إنه ليس سيرة: لا يمكن إلّا لمتعاونٍ لصيق بالرئيس الراحل أن يجازف برسم صورته. وهو لا يُعدّ دراسةً تاريخية: من السابق لأوانه استبيان الحبكة الخفيّة لبعض الأحداث. إنه مجرّد محاولة "للاستذكار"، لإعادة اكتشاف الأمل وأسباب النضال من مصدرها.
غير أنّ "للاستذكار" قواعده. إنه بلا شك مسار شخصي للغاية، ولكن، بقدر ما يهدف إلى فهم ظاهرة معيّنة، فإن عليه تجميع عناصرها واكتشاف منطقها...
منذ موته، استحال الرجل التاريخي بطلاً أسطورياً. ولكن، إذا احتوت الأسطورة الحدس الجماعي لمعنى الحدث، فإنها تميل إلى تجميد الحدث، في أنماط تحجب مساره، وإلى تثبيت المعنى في كليشيهات تعتّم على مداه. إذاً فإنّ فهم الظاهرة يعني شرح المعنى الحدسي عبر الذاكرة الجماعية من خلال تحليل الديناميكية الحقيقية التي أنتجته.
الظاهرة هي علاقة الاعتراف المتبادل بين الرجل والأمّة. تتجلّى، في مجملها، في ثلاثة أوجه مختلفة ومتكاملة: الأسطورة، القصّة، المشروع. الأسطورة هي أسطورة البطل القومي كما انحفرت في الذاكرة الجماعية منذ مأساة 14 أيلول 1982. إنها تستعير عناصرها الأساسية من أداء القائد الكاريزمي الذي، في غضون اثنين وعشرين يوماً، بين انتخابه وموته، أخضع فعليّاً الوعي الجماعي وفرض نفسه عليه. القصة هي قصة القائد العسكري والسياسي للمقاومة اللبنانية الذي نجح في نظر العالم، بعد صعودٍ لا يقاوَم، في تجسيد الشرعية الوطنية ثم في تمثيل الشرعية الدستورية. في هذه القصة، ما ملحمة الاثنين وعشرين يوماً وولادة الأسطورة، سوى المحصّلة والتتويج. المشروع الذي نادى به البطل القومي طوال حياته المهنية المبهرة، هو مشروع دولة ديمقراطية على النموذج الغربي، قادرة على تغليب مبدأ المواطنة حيث تتقدّم الحقوق والواجبات على الولاءات الفئوية التي تقسِّم المجتمع اللبناني، وتحقيق الوحدة الوطنية المتجاوِزة للتنوّع العرقي والديني، وقيادة الشعب نحو تمييز هويته السياسية وتأكيدها.
[...] لا، لم أختبر يوماً شعور استحالة التعويض، كذاك الذي تملّكني في الرابع عشر من أيلول 1982. إن مضيّ ستة عشر شهراً على الحدث المأسوي، لم يؤدِّ إلا إلى تعميق هذا الشعور إلى حد اصطباغه بنبرة اليأس. قُتِلَ بشير الجميل لأنه كان موحِّد الشعب، فتفرَّق الشعب. امتلك الوسائل لتحرير الأرض، فتقسّمت الأرض. كان مصمِّماً على بناء "لبنان عام 2000" فإذا بـ "لبنان عام 1943" الذي حَكم عليه بالإعدام، يُبعث من رماده، على ما يبدو. قال ذات مرّة: "إن لم نكن، بعد كلّ ما رأينا، مستعدين لأخذ العِبر والبحث عن أسباب مأساتنا، فإننا لا نستحق أن تكون لدينا دولة أو بلد ونستحق كل ما حدث لنا." كلّ ما يحدث، منذ غيابه، كما لو أن هذا الهاجس الرهيب يتحقّق للتو.
هل ينبغي إذن أن نصدّق أن بشير الجميّل كان واهماً حيال قدرات شعبه؟ للوهلة الأولى، أمور عديدة تشي بذلك. تبدو روح الشعب مرتهنة من جديد للعادات القديمة التي ينسبها بشير إلى الإرث العثماني. العلامة الأكثر وضوحاً على مثل هذه الانتكاسة هي النسيان الظاهر الذي سقطت فيه ملحمة بشير نفسها... لأسبابٍ متعارضة تماماً، يسعى البعض إلى نسيانها والبعض الآخر لطمسها. وبما أن الوضع على ما هو عليه، يفضّل الأولون عدم التفكير في مشروع بشير أو حتى التقليل من نطاقه كي لا يعانوا من الهوة المتزايدة باستمرار التي تفصلهم عن الواقع الحالي؛ ويعتبر الآخرون أن هذا المشروع كان حلماً سيئاً أو يوتوبيا من المناسب تطهير الذاكرة الجماعية منها. لكن يروق هؤلاء وأولئك الالتقاء عند القول أو الاعتقاد بأنّ بشير لم يكن ليتمكّن من تحقيق حلمه. إنّه نوعٌ من القدريّة الذي يتسلّل إلى اللاوعي الجماعي: الموت هو فشل، إذا مات بشير فهذا لأنّ البركة لم تكن معه. لم يكن الله معه.
