جويل غسطين

رواية تُبرز معاناة الإنسان وقسوة الواقع

"قمح وثلج ونار" لجوزيف عسّاف: عن تنميط بعض اللبنانيّين للأجنبيّات

5 دقائق للقراءة

شهد "بيت الشّباب والثّقافة" في ذوق مكايل احتفاليّة توقيع رواية "قمح وثلج ونار" للكاتب الدكتور جوزيف عسّاف، الذي غاص في مؤلَّفه داخل عوالم معقّدة من الحب، الضّياع، والمعاناة، مسلّطاً الضّوء على الصّورة النّمطية السلبيّة التي يرسمها بعض أفراد المجتمع اللّبناني عن الفتيات الأجنبيّات، اللواتي تقودهنّ ظروف الحياة القاسية إلى لبنان بحثاً عن لقمة العيش.


الرواية الصادرة عن منشورات "منتدى شاعر الكورة الخضراء عبدالله شحادة الثّقافي" تأتي في إطار دعم المنتدى للأعمال الأدبية التي تحمل أبعاداً إنسانية واجتماعية، وتمثّل صوتاً أدبيّاً جريئاً يسلّط الضوء على قضايا تعكس واقعاً غالباً ما يُغفل في السرد الروائي التقليدي.


تدور أحداث "قمح وثلج ونار" حول فتاةٍ أجنبيّة، شقراء جميلة، تجد نفسها في دوامة عالم اللّيل والعتمة داخل ملهى، حيث تعمل تحت ضغط الحاجة والظّروف، على الرّغم من عدم رغبتها في دخول هذا العالم المناقض لروحها البريئة وشخصيّتها اللّطيفة. تلتقي الصّبيّة بكاتبٍ لبناني في مكان عملها، تقع في حبّه فتُفتح أمامها نافذة أمل خجولة نحو حياةٍ مختلفة. غير أنّ هذا الأمل سرعان ما يُطفأ بعنفٍ، حين يقع أحد زبائن الملهى الأثرياء في غرامها ويغتصبها، ظنًّا منه أنّها مجبرة على تلبية رغباته. تبدأ بعدها رحلة مريرة من الحزن واليأس والضّياع، وهنا يكشف الكاتب جوزيف عسّاف هشاشة الأحلام الإنسانية حين تصطدم بواقعٍ لا يرحم.



كسر القوالب النمطية

كتب عسّاف "قمح وثلج ونار" بهدف تجاوز الصّورة النّمطيّة الّتي يختزل بها المجتمع اللبناني، خصوصاً بعض الرجال، الفتاة الأجنبيّة عامّةً والأوروبّية خاصّةً، إذ غالباً ما تُصوّر هذه الفتاة كرمزٍ للإغراء، بلا شرف أو قيمة إنسانيّة. أراد الكاتب، من خلال بطلة روايته، أن يواجه هذه النّظرة الظّالمة، مقدّماً شخصيّة معقّدة تحمل في طيّاتها الألم والكرامة والحاجة، بدلاً من الرّغبة فقط. فهو لا يقتصر على سرد الحكاية، بل يسعى إلى إعادة الاعتبار لإنسانيّتها، كاشفاً هشاشة الأحكام المسبقة، آملاً في زرع وعي جديد ينظر إلى المرأة، أيّاً كانت جنسيتها، ككائنٍ يستحق الاحترام والتفهم، لا الاستغلال أو الأذى.



ثلاثيّة الحياة والبراءة والخذلان

عنوان الرّواية، "قمح وثلج ونار"، يحمل دلالات رمزيّة عميقة تعكس المراحل النّفسية والإنسانيّة الّتي تمرّ بها البطلة. فالقمح يرمز إلى الحياة، الخصوبة، والأمل الذي دفع الفتاة لمغادرة وطنها بحثاً عن مستقبلٍ أفضل. أمّا الثّلج، فيمثّل براءتها، نقاءها الداخلي، وروحها الطّفولية التي لم تلوّثها قسوة الواقع بعد. غير أنّ هذه البراءة تتعرّض للحرق بـ "النّار"، التي ترمز إلى الألم والانتهاك، مُجَسّدة بفعل الاغتصاب الذي تعرّضت له على يد الرّجل الثّري، لتتحوّل تجربتها من حلم بالحياة إلى كابوس يحرق كلّ ما هو نقيّ داخلها. يجمع العنوان بين هذه الرموز الثلاثة ليشكّل خريطة مشاعر متناقضة، ويجسّد الصراع بين الحياة والموت المعنوي، وبين البراءة والخذلان.



لوحات زهراب الغائب 

وفي لفتةٍ إنسانيّة وفنيّة مؤثّرة، تخلّل ندوة توقيع رواية "قمح وثلج ونار"، عرضٌ لمجموعة من لوحات الفنّان التّشكيلي الرّاحل زهراب، الّذي كانت تربطه بالكاتب جوزيف عسّاف علاقة صداقة عميقة وودّ طويل، كما قال لـ "نداء الوطن". أراد عسّاف من خلال هذا العرض تكريم صديقه الرّاحل، واستعادة حضوره الفنّي والرّوحي رغم غيابه، تقديراً لمسيرته الإبداعية ووفاءً لذكراه.


هذا المزج بين الأدب والفنّ جاء ليعكس الرّؤية الجماليّة الّتي تجمع بين الكلمة والصّورة، وليرسّخ في أذهان الحاضرين أنّ الصّداقة الحقيقيّة تتجاوز حدود الزمن وتُخلَّد في الذّاكرة عبر الفنّ والمحبّة. يُذكر أنّ الفنّان اللّبناني الأرمني زهراب رحل عن عالمنا عام 2017 بعد صراعٍ مع المرض، تاركاً إرثاً فنّياً وثقافياً كبيراً ليخلّد اسمه في الذّاكرة الجماعية.




منتدى شاعر الكورة الخضراء عبدالله شحادة الثقافي


عام 2020، أسّست ميراي شحادة، كريمة الشّاعر اللّبناني الرّاحل عبدالله شحادة، منتدى "شاعر الكورة الخضراء عبدالله شحادة الثقافي" تخليداً للإرث الثّقافي والفكري الذي تركه والدها الراحل عام 1985 عن عمر يناهز 75 عاماً.


تقول شحادة لـ "نداء الوطن" إنّ تأسيس المنتدى هدف إلى جمع كلّ أعمال الشّاعر الرّاحل وعرضها في مكانٍ واحد، من أجل الحفاظ على اسمه وإرثه الأدبيّ والثّقافي. وقد تطلّب جمع مؤلّفاته أكثر من أربع سنواتٍ من العمل المتواصل والبحث الدّقيق، ما جعل المنتدى مشروعاً شخصيّاً وعاطفيّاً، بالنّسبة للإبنة البكر ميراي، التي شعرت بضرورة نقل هذه الأعمال إلى الأجيال القادمة.


ولم يقتصر دور المنتدى على الحفاظ على إرث عبدالله شحادة، بل تجاوز ذلك إلى دعم وتشجيع المواهب الشّابة في المجال الثّقافي. لذا قرّرت شحادة دعم الكتّاب والشّعراء الشباب من خلال تمويل المنتدى بشكلٍ شخصيّ، فتمكّنت من نشر أكثر من 150 إصداراً ثقافياً حتى اليوم باسم المنتدى. منشورات تُعدّ إضافة نوعيّة للمكتبة الثّقافية اللّبنانيّة والعربيّة، ما يؤكّد التزام المنتدى بدعم الثّقافة والفنون.


وبذلك غدا "منتدى شاعر الكورة الخضراء عبدالله شحادة الثقافي" منبراً حيويّاً للفكر والإبداع، لا مجرّد دار نشر فحسب، وصار يمثّل شهادةً حيّة على العطاء المستمرّ للثّقافة في لبنان. يُذكر أنّ المنتدى يشارك في العديد من معارض الكتاب والفعاليّات الثّقافيّة الكبرى ما يعزّز حضوره الثّقافي ويساهم في نشر رسالته الفكريّة عبر مختلف الأوساط.