مارتن عيد

التكنولوجيا والإنسانية: نحو مستقبل لا يُشبهنا

3 دقائق للقراءة

بينما ينشغل اللبنانيون بهمومهم اليومية من اقتصادٍ منهك وسياسة متقلّبة، تدور في العالم معركة من نوع آخر، معركة السيطرة على المستقبل. التكنولوجيا لم تعد مجرّد أدوات، بل أصبحت تحدّد كيف نفكر، نحب، نعمل، وحتى كيف نحلم. الذكاء الإصطناعي، الروبوتات، البيانات الضخمة، لم تعد كلمات طنانة، بل واقعاً يتسلّل بهدوء إلى حياتنا من دون أن نملك حق النقاش أو الاعتراض.


وفي خطوة لافتة، ومع تشكيل الحكومة اللبنانية، أعلن عن تعيين وزير جديد ستكون من أولوياته متابعة ملف الذكاء الاصطناعي. خطوة طال انتظارها، لكنّها تطرح تساؤلات جدّية: هل سنواكب العصر عن وعي، أم سننجرّ خلفه من دون بوصلة تحمي الإنسان؟


كيف سنشارك في صنع القرار؟


لسنا في جزيرة معزولة، فما تقرّره الشركات العالمية الكبرى، أو ما تُصدره الهيئات المختصة من قوانين حول الذكاء الاصطناعي وحقوق البيانات، سينعكس عاجلًا أم آجلًا على حياتنا اليومية، في الإعلام، في العمل، في الطب، وفي التربية.


لكن هل نحن مجرّد مستهلكين لهذه القرارات؟ أم يُمكن للبنان أن يكون شريكاً في صياغة بعض المعايير؟


نملك عقولاً خلاقة، ومواهب في مجالات التقنية والبرمجة والفن، فلماذا لا نُطلق نقاشاً وطنياً حول هذه القضايا؟ لماذا لا تكون لنا استراتيجية لبنانية للذكاء الاصطناعي تُراعي أولوياتنا وثقافتنا وحقوقنا؟


في قلب هذا السباق العالمي، يخفت صوت الأسئلة الأخلاقية والإنسانية. ما مصير الضعفاء؟ من يضمن الخصوصية؟ هل سنستمر في اعتبار الإنسان هو المقياس؟ أم سنبدأ بمقارنته بالآلة: هل يعمل بسرعة كافية؟ هل ينتج باستمرار؟ هل يُفكّر بكفاءة؟ وكأن الإنسانية أصبحت عبئًا لا فائدة منها.


قد يساعد الذكاء الإصطناعي  في التعليم والصحة والبنية التحتية، لكنه قد يكرّس التهميش، يُعمّق الفجوة الاجتماعية، ويُضعف الحضور الإنساني في القرارات والمشاعر والعلاقات.



مواكبة العصر بوعي

لا نريد الوقوف في وجه التكنولوجيا، بل أن نتقدّم بها ومعها، ولكن ليس على حساب الإنسان. لا نريد أن نُصبح أدوات داخل أنظمة رقمية كبرى تراقب وتحلّل وتعيد بناء سلوكنا. ما نريده هو أن نحتفظ بحقّنا في البطء، في الحيرة، في الغموض، في الراحة، في العاطفة، وفي الخطأ. نريد أن يبقى مكان للفن، للأدب، للفكر النقدي، للخيال، للتعليم العميق، لأن هذه هي ميادين الإنسان التي لا تُحاكى بخوارزميات.


فلنكن جزءاً من صناعة المستقبل، لا مجرد شهود على تغيّره، مستقبل التكنولوجيا ليس شأناً تقنياً فقط، إنه قضية ثقافية، سياسية، إنسانية.


في لبنان، نملك فرصة لكتابة روايتنا وسط هذا التحوّل العالمي. الوزير أو الحكومة الجديدة ليست وحدها من تتحمّل المسؤولية. الإعلام، الجامعات، النقابات، رواد الأعمال، والمجتمع المدني، كلّهم معنيّون بأن يضعوا الإنسان في صلب أي تطوّر، لأن التكنولوجيا يجب أن تكون في خدمة الإنسان، لا العكس.


إن مواكبة العصر ليست خياراً، بل ضرورة، لكن الأهم أن نواكبه بوعي، لا بعمى. بجرأة نقدية، لا بانبهار سطحي. لأن التكنولوجيا ليست محايدة، وهي ليست دائماً في صفّ الإنسان. ولهذا، فإن مسؤوليتنا اليوم كمجتمع وكأفراد، أن نشارك في رسم معالم هذا المستقبل، لا أن نكون ضحاياه.


لبنان، رغم كل جراحه، لا يزال يملك طاقات بشرية خلاقة، وشباباً مثقفاً، وأصواتاً حرّة. فلنستثمر في هذا الرصيد الإنساني، لأن المستقبل ليس في مكان بعيد، المستقبل هو الآن.