صالح المشنوق

طائفة بلديّة بيروت (2)

5 دقائق للقراءة

يوجد في مدينة بيروت حوالى نصف مليون ناخب. لا يصوّت منهم إلا عشرون بالمئة. إلى جانب الجدل الطائفي الطابع حول صلاحيّات المحافظ  والمناصفة، والنقاش العملي حول البرامج الانتخابيّة، السؤال الأساسي الذي يطرح نفسه متعلّق بأسس علاقة المواطن البيروتي ببلديّته. لماذا هذه اللامبالاة؟


أفضل طريقة وأكثرها فعاليّة لمقاربة هذه المسألة هي باستعراض الأسباب التي تطرح عادة عند الحديث عن أسباب عدم مشاركة ناخبين في استحقاقات انتخابيّة، ومن ثم فحص الأدلّة بالتجربة التاريخية لتبيان صحّة هذه الحجج من عدمها.


أولى الحجج تفترض غياب المنافسة الانتخابيّة والاعتقاد السائد بأن النتيجة معروفة سلفاً. ولكن انتخابات العام 2016 أثبتت عكس ذلك تماماً. في تلك الانتخابات تنافست لائحتان بشكل حاد – الأولى تحالف أحزاب المنظومة الحاكمة والثانية لائحة تشكّلت من قوى المجتمع المدني – وقد حازت اللائحة الثانية على (معدّل) 30 ألف صوت مقابل 43 ألف صوت للائحة الأولى. أما الأقوى في اللائحة الخاسرة فكان الفارق بينه وبين الأضعف في اللائحة الرابحة حوالى سبعة آلاف صوت. وقد حصلت المعركة في ظلّ تعبئة سياسيّة وشبه طائفيّة ("بيروت للبيارتة") مكتملة الأوصاف، إضافة إلى مشاركة الرئيس سعد الحريري شخصياً في الحملة الانتخابيّة. نسبة المشاركة في الانتخابات كانت 20 %، مقارنة بـ 18 % في العام 2010 و 24 % في العام 2004. هذا العام لا يتوقّع أن تتجاوز نسبة التصويت الـ 15%.


الحجّة الثانية هي أن المجلس البلدي لا يؤثّر حقيقة في حياة البيارتة (بغضّ النظر عن إشكالية صلاحيات المحافظ) إذ لا صلاحيّات حقيقيّة لديه نظراً إلى غياب اللامركزيّة الإداريّة. لكن التجربة في السنوات الأخيرة تثبت عكس ذلك. لا نتحدّث هنا عن كون المدينة حقيقة منكوبة بكل ما للكلمة من معنى (من الجورة للإنارة) بل عن كميّة الأموال التي أنفقها بالفعل المجلس البلدي على "إنماء" المدينة بين عامي 2016 و 2019، قبل انهيار العملة الوطنيّة  وشبه إفلاس بلديّة بيروت. فقد أنفق المجلس البلدي في ثلاث سنوات ما يزيد عن نصف مليار دولار على مشاريع لم تؤثر إيجاباً في حياة أي كان (من أصيلين أو مقيمين)، والأرجح أن الاغلبيّة الساحقة من سكان المدينة لا يمكنها الإشارة إلى مشروع واحد لديها علم به أصلاً. لكن من الصعب القول إن بلدية تنفق 500 مليون دولار على مدينة لا تتعدّى مساحتها العشرين كلم مربّعاً لا يمكنها التأثير على نوعيّة حياة الناس بشكل استثنائي.


الحجة الثالثة هي مصادرة صلاحيّات المجلس البلدي من قبل المحافظ المعيّن من السلطة المركزيّة، أي الحكومة اللبنانيّة. بالرغم من أن التخلّص من هذه الظاهرة الشاذة – لأسباب متعلّقة بالديمقراطية والمحاسبة لا طائفة المحافظ – ضرورة ملحّة، إلا أن ذلك لا يمكنه تفسير لماذا نسبة المشاركة هي نفسها في عاصمة الشمال طرابلس (24 %). فطرابلس ليس فيها محافظ يصادر صلاحيات مجلسها البلدي المنتخب، بل فيها مجلس مكتمل الصلاحيات. إذاً المسألة تبدو مرتبطة بالمدن الكبرى التي لا تتنافس فيها "العائلات" على "زعامة" المجلس البلدي. في المنية - الضنيّة الملاصقة لطرابلس مثلاً، بلغت نسبة المشاركة 50 %، أي ضعفيّ طرابلس. من الواضح اذاً أنّ وسع الدائرة كما غياب العنصر العشائري يخفّضان من نسب المشاركة في الانتخابات البلديّة. وهذه ظاهرة متخلّفة بالفعل، إذ إن التصويت في الانتخابات البلديّة في المدن الكبرى في العالم يتعدّى أحياناً نسبة التصويت في الانتخابات النيابيّة. في انتخابات اسطنبول الأخيرة مثلاً، بلغت نسبة التصويت 80 %، لان الانتخابات سياسيّة بامتياز (الرابح الآن في السجن بتهم فساد على الأرجح ذات طابع سياسي). في لندن المشاركة عادة بين 40 % و 50 %.


كلّ ما ورد أعلاه يأخذنا مجدداً إلى ضرورة تعديل قانون انتخاب المجلس البلدي في بيروت. وعلى هذا التعديل أن يضرب "عدّة عصافير بحجر واحد، "من حلّ معضلة المحافظ، إلى معالجة أزمة "فرض" تحالفات غريبة عابرة للطائف، إلى الغاء ظاهرة "التشطيب" المخالفة لأبسط قواعد الحداثة، إلى ضمان المناصفة الطائفيّة عبر هندسة انتخابية ذكيّة، وأخيراً التشجيع على زيادة نسبة المشاركة إلى ما يقارب الـ 50 بالمئة. يوجد في بيروت تاريخياً اثنا عشر حياً، بعضها كبير (الأشرفيّة، المزرعة) وبعضها الآخر صغير (الصيفي، ميناء الحصن). لماذا لا تكون بيروت عبارة عن ستّ دوائر انتخابيّة، مثلها مثل أغلبيّة المدن الكبرى في العالم؟ تنتخب كلّ دائرة عدداً معيّناً من أعضاء المجلس البلدي الموحّد، ويشكّل مجموع هؤلاء الأعضاء مجلساً محلياً قائماً بحد ذاته أيضاً. سيأتي طبعاً من يحذّر من "التقسيم" بروحيّة بعثيّة الطابع، لكن هذا التحذير (أكان ناتجاً عن خلفيّة طائفيّة أو سذاجة مدنيّة) لا قيمة له في ظلّ معايير الحداثة في العالم والوضع التنموي المزري الناتج عن "الوحدة" القائمة حالياً (بالمناسبة، "المجتمع المدني" أسهل عليه الفوز بإحدى الدوائر الست من "الخرق" في بيروت دائرة واحدة).


فيما لبنان مقبل على قانون لامركزيّة إداريّة، لا تزال منظومة الانتخابات البلديّة في العاصمة تنتمي إلى زمن مضى. يوم الأحد القادم ستجرى انتخابات بلديّة في بيروت. سيصوّت فيها 15 % من البيارتة. سيفوز فيها تحالف هجين من الأحزاب السياسيّة تحت شعار "فصل الإنماء عن السياسة"، وهو شعار لم يستقم يوماً في أي عاصمة في العالم. سيتحكّم المحافظ المعيّن بالكثير من صلاحيّات المجلس البلدي المنتخب. سيتم تشطيب مسيحيين لصالح مسلمين، وسيزداد جوّ الاحتقان الطائفي في المدينة ودعوات التقسيم الطائفي. أما الاثنين فيوم آخر، ومباشرة من بعده قانون آخر أيضاً.