راشيل علوان

آلية جديدة لتوزيع المساعدات في القطاع

غزة... عسكرة المعونات بدل كسر الحصار

3 دقائق للقراءة
خلال توزيع الطعام في جباليا أمس (رويترز)

الحصار المطبق على غزة يضع الغزيين أمام مجاعة حقيقية، هي حرب التجويع والتعطيش على حوالى مليونين ونصف مليون غزي لا يملكون أيّاً من مقوّمات الحياة والغذاء داخل القطاع. وإزاء هذا الوضع الإنساني الكارثي، تأتي الآلية الجديدة التي يُعمل عليها ضمن خطة أميركية - إسرائيلية لإدخال المساعدات إلى القطاع عبر «مؤسسة غزة الإنسانية» المنشأة حديثاً، التي يقودها مديرها التنفيذي جيك وود.


وبموجب الآلية الجديدة، ستقوم «مؤسسة غزة الإنسانية» بإنشاء مواقع توزيع يتم تأمينها من قبل متعاقدين عسكريين أميركيين من القطاع الخاص ويديرها عمّال إغاثة، بينما سيشارك الجيش الإسرائيلي في توفير الأمن العسكري اللازم خارج المنطقة المجاورة لمواقع التوزيع لضمان عدم حصول «حماس» على المساعدات.


هذه هي الخطوط العريضة للخطة الجديدة، إلّا أن الأمم المتحدة ومنظمات إغاثة رئيسية أخرى في غزة ترفضها حتى الساعة، باعتبار أنها ستفشل في تلبية احتياجات سكان غزة، وتتعارض مع المبادئ الإنسانية الأساسية. إذ قد يضطرّ النازحون الفلسطينيون إلى السير لمسافات طويلة حاملين عبوات ثقيلة من الحصص الغذائية لعائلات كبيرة، مع وجود عدد قليل من مواقع التوزيع البعيدة من الكثافة السكانية وفق الآلية، مقارنة بحوالى 400 موقع كانت تعمل في غزة قبل الحصار الإسرائيلي الشامل.


أمّا الشارع الفلسطيني الذي يرزح تحت وطأة الأوضاع الإنسانية المأسوية، فيرفض بشكل واسع الآلية الجديدة، ويعتبرها بأنها «عسكرة للمساعدات»، كما يؤكد الصحافي الفلسطيني طارق دحلان لـ «نداء الوطن»، معتبراً أن «المقترح الأميركي، الذي جاء بعد منع الاحتلال الإسرائيلي دخول المساعدات، يثير مخاوف كبيرة، خصوصاً لما يحمله من مؤشرات إلى توجّهات سياسية تهدف إلى تقويض المؤسسات العاملة في القطاع، وعلى رأسها وكالة «الأونروا»، لإنهاء دورها باعتبارها الشاهد الأممي على قضية اللاجئين الفلسطينيين، في محاولة لإعادة تعريف هوية الغزيين وتفريغ الملف من مضمونه التاريخي والسياسي».


ويروي دحلان الكارثة الإنسانية الحقيقية التي يعيشها سكان غزة، فالغذاء والماء باتا نادرين، وسوء التغذية ينتشر بشكل خطر، ما دفع بعض الأهالي إلى طحن طعام الحيوانات وتحويله إلى خبز يسدّ رمق أطفالهم. وبالتالي، بين عسكرة المساعدات، وإلغاء دور المؤسّسات الدولية، يتعرّض الفلسطينيون في غزة لضغوط متزايدة، في وقت لا يزال فيه المجتمع الدولي عاجزاً عن كسر الحصار أو ضمان أبسط حقوق الحياة.


ويشدّد دحلان على أن ما يُطرح اليوم من مقترحات أميركية تحت عنوان «توزيع المساعدات» لا يمكن فصله عن المسار السياسي الهادف إلى تفكيك القضية الفلسطينية من جذورها، مؤكداً أن عسكرة المساعدات ليست حلّاً، بل باباً جديداً لفرض السيطرة وتصفية ما تبقى من الحقوق الفلسطينية، بدءاً من استهداف «الأونروا» وصولاً إلى إنهاء ملف اللاجئين.


«كغزيّ أعيش تفاصيل هذا الحصار يوماً بيوم، لا أرى في هذه الخطط سوى استمرار في محاولات سلبنا إنسانيّتنا وكرامتنا»، يقول دحلان لـ «نداء الوطن»، لافتاً إلى أن «الجوع في غزة ليس نتيجة تقصير داخلي، بل هو قرار مفروض من منظومة احتلال تُحاصر الحياة، وتُعيد تعريف المأساة بشكل يومي»، ويختم: «ما نريده ليس عسكرة المعونات، بل كسر الحصار، وحرّية وكرامة وعدالة».