اختتم وفدا روسيا وأوكرانيا أولى محادثاتهما المباشرة منذ آذار عام 2022 في قصر دولما بهجة باسطنبول أمس برعاية وزير الخارجية التركي هاكان فيدان والتي استمرّت نحو ساعة و40 دقيقة، وسط جهود دبلوماسية مكثفة وضغوط أميركية لتضييق الفجوة بين الجانبَين من أجل التوصّل إلى اتفاق لوقف الغزو الروسي لأوكرانيا، في وقت عقدت فيه القمة السادسة لـ "المجموعة السياسية الأوروبية" في ألبانيا بمشاركة الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، حيث أجرى الأخير برفقة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر والمستشار الألماني فريدريش ميرتس ورئيس الوزراء البولندي دونالد توسك، اتصالاً هاتفياً بالرئيس الأميركي دونالد ترامب بعد انتهاء محادثات اسطنبول.
في السياق، اعتبر فيدان أن "اليوم (أمس) كان مهمّاً للسلام العالمي"، موضحاً أن "نتيجة لهذا الاجتماع، اتفقنا على تبادل 1000 أسير من كل بلد كإجراء لبناء الثقة". وذكر أن الطرفين "اتفقا مبدئياً" على اللقاء مجدّداً، لافتاً إلى أن تركيا "ستواصل بذل كل الجهود الممكنة لتحقيق السلام الدائم بين روسيا وأوكرانيا"، في حين كشف وزير الدفاع الأوكراني رستم عمروف الذي ترأس وفد بلاده في المحادثات أن الاجتماع ناقش قضايا وقف إطلاق النار وتبادل الأسرى واجتماع محتمل على مستوى القادة، مشدّداً على أن "الأولوية هي ضمان إطلاق سراح أسرى الحرب، والثانية ضمان وقف إطلاق النار، والخطوة التالية يجب أن تكون محادثات على مستوى القادة".
وأشار عمروف عقب إجرائه محادثات أخرى مع وزير الخارجية الأميركي ومستشار الأمن القومي ماركو روبيو والمبعوث الأميركي الخاص كيث كيلوغ، وفيدان، ورئيس جهاز الاستخبارات التركي إبراهيم قالن، إلى أن "روسيا أظهرت مجدّداً عدم اهتمامها بالسلام، ويتجلّى ذلك في غيابها عن المحادثات بمستوى تمثيل مناسب، وتجاهلها للمبادرات الدولية، ورفضها إنهاء العدوان".
من جانبه، أعرب مستشار الرئيس الروسي فلاديمير ميدينسكي، الذي ترأس الوفد الروسي في مفاوضات اسطنبول، عن رضى بلاده عن نتائج المفاوضات واستعدادها لمواصلة المحادثات، موضحاً أنه "طلب الجانب الأوكراني إجراء محادثات مباشرة على مستوى القادة، وقد سجّلنا هذا الطلب، وستقدّم روسيا وأوكرانيا وجهات نظرهما في شأن وقف إطلاق النار المحتمل بالتفصيل، ثمّ ستُستأنف المفاوضات". وأفادت وكالة "تاس" الروسية بأنه "لا يوجد سقف زمني واضح ومحدّد في شأن تبادل الخطط بين موسكو وكييف في شأن اتفاق وقف النار"، لكنها أشارت إلى "التوصل إلى اتفاق مبدئي لتبادلها".
توازياً، أفاد مصدر أوكراني لوكالة "رويترز" بأنه لم تظهر خلال المحادثات أي علامة تدل على إحراز تقدّم في تضييق الفجوة بين الجانبَين التي سرعان ما اتضحت، إذ اعتبر أن مطالب روسيا "منفصلة عن الواقع وتتجاوز أي شيء نوقش سابقاً"، موضحاً أن المطالب تضمّنت وضع مهلة نهائية لأوكرانيا للانسحاب من أجزاء من أراضيها في سبيل تنفيذ وقف لإطلاق النار و"غيرها من الشروط المستحيلة وغير البناءة". وذكر مصدران أوكراني وأوروبي أن روسيا رفضت طلباً أوكرانياً بحضور ممثلين أميركيين في الغرفة.
وأفاد مصدران مطّلعان على المحادثات بأن ميدينسكي أكد استعداد روسيا لمواصلة القتال إذا كانت هناك حاجة لذلك، مشيراً إلى حروب القيصر بطرس الأكبر ضدّ السويد التي استمرّت 21 عاماً في أوائل القرن الثامن عشر. وارتدى نصف الوفد الأوكراني أزياء عسكرية مموّهة وتحدّثوا باللغة الأوكرانية وجلسوا إلى طاولة في مواجهة نظرائهم الروس الذين كانوا يرتدون زياً مدنياً.
وبعدما جزم روبيو بأن السبيل الوحيد لتحقيق تقدّم في جهود إنهاء الغزو الروسي لأوكرانيا هو المحادثات المباشرة بين ترامب ونظيره الروسي فلاديمير بوتين، اعتبر الكرملين أنه "لا شك في أن الاتصالات بين بوتين وترامب مهمّة في سياق المفاوضات الأوكرانية، ونحن بالطبع نتفق مع هذه الفرضية"، مبدياً رغبة بلاده في "عقد قمة بين بوتين وترامب، لكن مثل هذا الاجتماع يتطلّب تحضيراً مسبقاً لضمان نجاحه". وتعليقاً على محادثات اسطنبول، أكد أن فريق التفاوض الروسي على تواصل دائم مع موسكو، وأن بوتين كان يتلقى تحديثات فورية.
وعقب انتهاء المحادثات، أجرى زيلينسكي وقادة فرنسا وألمانيا وبريطانيا وبولندا اتصالاً هاتفياً مع ترامب من ألبانيا. وأوضح زيلينسكي أن موقف بلاده هو أنه "في حال رفض الروس وقف إطلاق نار كامل وغير مشروط ووضع حدّ للقتل، فإنه يتعيّن فرض عقوبات صارمة على موسكو"، داعياً إلى "مواصلة تضييق الخناق على روسيا حتى تكون مستعدّة لإنهاء الحرب". وأبلغ ماكرون نظيره الأميركي بأن روسيا غير راغبة في إحلال السلام وتحاول فقط كسب الوقت من خلال مواصلة الحرب، موضحاً أن الأوروبّيين يعدون لفرض عقوبات جديدة على موسكو بالتنسيق مع واشنطن، الأمر الذي أكدته رئيسة المفوضية الأوروبّية أورسولا فون دير لاين. كما رأى رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر أن الموقف الروسي "غير مقبول بوضوح"، مؤكداً أن القادة الأوروبّيين وأوكرانيا والولايات المتحدة "ينسّقون" ردودهم عن كثب.