تساؤلات سعيد عبيد في كتاب:

غرباء في الغرب ورهائن في الشرق

8 دقائق للقراءة

تعود قصّة كتاب "غرباء في الغرب ورهائن في الشرق" للمهندس سعيد ابراهيم عبيد، إلى المراحل الأولى من انتقاله وعائلته إلى فرنسا، بعد غربة جعلتهم يقيمون في دول عدّة. كان سعيد كلّما التقى شقيقه البكر أنيس، يدور نقاش في مواضيع مختلفة، منها السؤال: "الموحِّدون الدروز إلى أين؟". في إحدى جلسات الشقيقين معاً، اقترح سعيد على أخيه أنيس كتابة تجربته كمشرقي موحِّد يعيش في الغرب منذ أمد طويل. لكنّ استنكاف الشقيق البكر عن القيام بالمهمّة، دفع سعيد إلى خوض غمار هذه التجربة بنفسه، فكان كتابه الموجّه إلى أهل الكاتب ومحيطه الضيّق والأوسع في لبنان وإلى من عاش ويعيش تجربته في الاغتراب وخاصةً من الموحِّدين الدروز. تنشر "نداء الوطن" من الكتاب، الفصل المعنوَن: "نظرة أهل الشرق والغرب إلى الزواج المختلط".



الزواج المختلط يضع جماعة الموحّدين "الدروز" أمام تحدّ كبير. زواج الأقرباء بالدم أم بالنسيج القبلي ظاهرة مورست منذ القدم. تاريخياً، صمد زواج القربى أمام تحدّيات الزمن، حيث أنه كان إحدى وسائل شد العصب، وأيضاً الحفاظ على ما تملكه الجماعة. وحيث الحكم المركزي ضعيف تسدّ القبيلة هذا الفراغ وتحمي الفرد والجماعة. زواج القربى متجذِّر في العادات العربية. في الأرياف، حيث عاش "الدروز" لقرون، فكان هذا الزواج القاعدة والعكس هو الشواذ الذي سنتطرق إليه في سياق السرد.


...المجتمعات الغربية متحرّرة أكثر من الشرقية في ما يتعلّق بالأمور الشخصية وحرّية الاختيار في رحاب التعدّدية، وهذا ما تكفله الدساتير. وهذه الصفات جذابة لعقول الشباب المليئة بالأمل والإثارة، أضف إليها ثورة الشباب ضد السلطة. تلاقي العقول مع الانجذاب في الشكل ومع وجود قيم مشتركة قد تؤدي جميعها إلى زيجات عابرة للأديان والحدود الأثنية.


كيف يمكن لجماعة الموحّدين "الدروز" في هذه الحالة التعامل مع هكذا نتائج؟ وما هي الأدوات التي بحوزتهم للتعامل مع هكذا تحديات؟

للتقليديين، الجواب سهل وقطعي. الزواج من خارج الجماعة غير مقبول ومن ينوي الإقدام على هذه الخطوة سيُعاني من المقاطعة العائلية ووحده سيتحمّل النتائج. ويعلّل أصحاب هذا الرأي أنّ هذا النوع من الجزاء يكفي لمنع أيّ كان من التفكير في الزواج من خارج الجماعة. عامل الخوف الذي صمد مع الوقت، متأصل في ممارسات أهل الشرق وهو في أغلب الأحيان مصاحب للمغترب مع عادات مرموقة من كرم وإقدام. جميعنا نعلم عن حالات تشتّتت فيها عائلات وعمّت الخسارة جميع المعنيين بسبب الزواج من خارج الملّة.


ولكن، الخوف مع التهديد بالقصاص، كانا سيفاً ذا حدَّين، أحدهما أدى إلى عكس ما يؤمل من نتائج.

رغم كل وسائل الترغيب والوعيد، ومع ازدياد منسوب الانخراط "الدّرزي" في الخريطة العالمية، من المتوقع ارتفاع نسبة الزيجات المختلطة وخاصةً في الغرب، وحتى هناك في لبنان. ورغم صرامة الحدود والضوابط، لم تعد هذه الزيجات مستغربة كما كانت منذ عشر أو عشرين سنة، والنسبة إلى ارتفاع. إذاً على "الدروز" التعامل مع هذه المسألة بطرق أكثر واقعية من الرفض والاستنكار. العائلات "الدّرزية" التي تربّي أولادها في المدن الكبرى أو في الغرب عليها توقُّع هذه النتائج التي هي محصّلة خيارات أخذها الأهل لدى ترتيب أولوياتهم بالنسبة لمكان الإقامة ومكان تربية النشء الجديد...


إضافة إلى الأهل، الزواج المختلط يؤثّر في وضعية الزوج غير "الدرزي"، أو الزوجة غير "الدرزيّة" وفي وضعية الأولاد. حتى عهد قريب، كان تصرُّف المحاكم المدنية والمذهبية كالنعامة التي تدفن رأسها في الرمل. إنما وعندما كبرت المشكلة ولم يعد نكران وجودها ممكناً، قرّرت المحاكم المذهبية "الدرزية" اعتبار أولاد الرجل "الدرزي" المتزوج من غير "درزية"، "دروزاً". والعكس غير صحيح، ما يتماشى مع تقاليد الشرق، لكنه مخالف لتعاليم التوحيد التي أقرّت بالمساواة بين الجنسَين في ما خصّ الزواج، ومن يشكّ في هذا الكلام أدعوه لمراجعة رسالة رقم 25 وعنوانها "شرط الإمام صاحب الكشف". وهكذا فإنّ زواج المرأة "الدرزيّة" من رجل من مذهب مختلف هو بطاقة خروج، بلا عودة لها ولذريّتها، حتى لو أنّ اقتناع وإيمان زوجها بجوهر التوحيد أشد وأقوى من الكثير من "الدروز" بالولادة.


في لبنان، كما في الغالبية الساحقة من الدول العربية، وربما الإسلامية، الزواج، كالطلاق والإرث من اختصاص المحاكم المذهبية، أي أنه شأن ديني. من أراد الزواج من خارج المذهب، على أحد العروسين تغيير مذهبه أو مذهبها للوصول إلى التجانس المذهبي، أو السفر إلى خارج لبنان وتسجيل الزواج في إحدى المحاكم المدنية. وبما أنّ باب طائفة الموحِّدين "الدروز" موصد، فالحل المتاح أمام "الدرزي" أو "الدرزية" هو الانتقال إمّا إلى خارج الوطن أو خارج البيئة "الدرزية"، مع ما يرافق ذلك من تأثيرات سلبية على الفرد المعني مباشرةً وعلى العائلة بشكل أعمّ. وهنا يتبادر إلى الذهن السؤال: إلى متى يستطيع "الدروز" تحمُّل هذا التناقص في العدد! بدون إيجاد حلول منطقية عقلانية قابلة للتطبيق، سيستمر هذا النزف. مرّةً أخرى، إنه جرس إنذار ليس إلا.


صحيح أنّ تماثل الإرث الاجتماعي بين شخصَين قد يدعم المؤسسة الزوجية، لكنّ العكس ليس مثبتاً أيضاً. فهناك العديد من الأمثلة على زيجات مختلطة ناجحة ومتينة الأواصر، إضافة إلى أنّ العديد من الزوجات الأجنبيات دعمن أزواجهن للقيام بأعمال اجتماعية جليلة لخدمة "الدروز" وخاصة في بلاد الاغتراب. وهؤلاء الزوجات خرجن من ثوبهنّ الولادي وارتدين، وبكامل إرادتهن، ثوب "الدروز" رغم علمهنّ بصعوبات الانضواء الكامل. ليس فقط الثوب الخارجي، بل أنّ بعضهنّ فهمن الجوهر الحقيقي للتوحيد بشكل أدق وأعمق من فهم الكثيرات من "الدرزيّات" بالولادة! فمن أجدر والحالة هذه بحمل صفة التوحيد؟ ومن ذا الذي يحكم بأنّ الولادة هي ما يلزم فقط لإدخال أو إخراج إنسان من الحقل الروحي للتوحيد بدائرته الواسعة، حيث "الدروز" ليسوا أكثر من نقطة صغيرة في بحر التوحيد. علماً أنّ جوهر التوحيد مغروس في كلّ الأديان، حسب مخطوطات الموحِّدين "الدروز". وهكذا فإنه تماشياً مع التسلسل المنطقي والعرفاني والأخلاقي، أقلّ ما علينا فعله هو أن نرحّب في صفوفنا بمن قَبِلنا وشاركنا، عن اقتناع وبكامل إرادته، جوهر التوحيد. من نافل القول إنّ هذه ليست مطالبة بفتح باب الدعوة أو بالتبشير لها.

والوضع أشد تعقيداً وعصيّاً على الحلّ عندما تتزوج "درزيّة" من خارج الملّة. منع الرق والعبودية، والدعوة إلى المساواة بين الرجل والمرأة في ما خص الزواج، كانا من العلامات المضيئة في تاريخ الموحِّدين "الدروز". لقد سبقوا غيرهم بقرون في هذا المضمار، ورغم أنّ ذلك كان ولا يزال مصدراً للتباهي، فالمفارقة أنّ الممارسة في الواقع لا تتماشى والتوصيات. نظرة الشرق المسلم إلى المرأة تغلّبت على التوصيات، فأولاد المرأة "الدرزيّة" بالقانون وليس بالاختيار لا يُعتبرون "دروزاً".


ومن السّخرية أنّ القواعد التي تحكم الزواج المختلط وما يرافقها من عادات ليست مطبّقة على جميع "الدروز" دون استثناء. القيادة "الدرزية" في العصر الحديث خالفت القاعدة دون تبعات تُذكر. فالزعماء الذكور في العائلات الإقطاعية حافظوا على مراكزهم رغم زواجهم من خارج الملّة. وفي كثير من الأحيان انتقلت الزعامة من الأب إلى الإبن، رغم كونه ناتجاً عن زواج مختلط. في الحقيقة هنالك الكثير من الأسبقيّات على قبول "الدروز" للزواج المختلط، لكن لدى الزعماء وعليّة القوم، وليس العامة من الناس. وللتذكير فزعامة المعنيّين "الدروز" انتقلت سنة 1697 إلى الشهابيين السُّنّة عبر المصاهرة النسوية. تلا ذلك اعتناق الشهابيّين المسيحية المارونية.

وفي الموت، الذي هو المساوي الأكبر، لم تتعامل المؤسسة الدينيّة مع العامّة على قَدَم المساواة، والأمثلة على ذلك كثيرة...

أمّا في الغرب وخاصةً في فرنسا، فالزواج والطلاق مسألتان شخصيّتان يقرّرهما حصراً أصحاب العلاقة المباشرة. وهذا ليس رأي أو ملاحظة أو استنتاج، إنه مبنيّ على تجربتنا مع إبنتَينا. مع كلّ التعبئة، والتي هي مبررّة، ضد الإسلام والمسلمين، ومع العلم الدقيق والمسبق للصهرَين أنّ جذورنا إسلامية توحيدية، لم نلاحظ أيّ تردد أو رفض من قبل أهل الصهرَين لمبدأ الاختيار من خارج الحلقة الكاثوليكية. ومع الوقت زاد اقتناعنا بأنّ موافقة أهل الصهرَين ليست ظرفية أو تمثيلاً. خاصةً وأنه لم يطلب أحدٌ من ابنتيَّ، لا تلميحاً ولا تصريحاً، اعتناق الكاثوليكيّة. إضافةً إلى أنه لم يطلب إطلاقاً أن يكون الزواج كنسياً. وأيضاً وأيضاً لم يطلب أحد، لا مباشرة ولا مداورة تعميد الأحفاد!


والسؤال الذي يطرح نفسه: لماذا هذا الانفتاح في الغرب وهذا الانغلاق عندنا؟ وأيضاً لماذا نعتبر عابري الطائفة في زيجاتهم كفرة؟ لماذا أسر أنبل شعور إنساني، ألا وهو الحب، ضمن أسوار الطائفة؟ لماذا ندفع قسراً أولاد المتزوجة من خارج الطائفة إلى خارج أسوارها؟ هل نحن نملك مفاتيح الجنّة وحدنا؟ هل نحن شعب الله المختار؟ هل نحن أفضل الأمم وخير من وطأ الأرض بِقَدم؟ هل نحن وحدنا نملك الحقيقة الدينية؟ أتركُ الإجابة لأصحاب العقول النيّرة وأطلب إليهم التمعّن في ممارسات مجتمعنا وهم سيلقون الجواب.