في تصريحات نقلتها وسائل إعلام رسمية إيرانية السبت الفائت، وصف المرشد الإيراني الأعلى علي خامنئي إسرائيل بأنّها "ورم سرطاني خطر يجب استئصاله من جذوره". إن استخدام خامنئي عبارة "الورم السرطاني" يعود إلى مؤسّس الجمهورية الإسلامية آية الله روح الله الخميني، الذي وصف إسرائيل بهذه العبارة في السنوات الأولى من ثورة عام 1979. ومنذ ذلك الحين، أصبحت عنصراً أساسياً في الخطاب الرسمي الإيراني، تنطوي على رسائل متعدّدة الطبقات والاتهامات، كما تُسهم في تحفيز المشاعر المعادية للصهيونية والغرب في آنٍ واحد.
لكن هذه العبارة، التي لطالما احتُفظ بها لإسرائيل، تأخذ بُعداً آخر متى اندرجت ضمن خطاب طالت شظاياه أيضاً الرئيس الأميركي دونالد ترامب. واستخدامها من قِبل خامنئي ليس مجرّد زخرفة بلاغية، بل يختزل رفضاً عقائدياً، أبرز مظاهره تشديد الموقف التفاوضي الإيراني. إذ من خلال التذرّع بلغة تحريضية ومطلقة، يُشير خامنئي إلى الجمهور الداخلي الإيراني وإلى الولايات المتحدة، بأنه لا إمكانية لتسوية مع الولايات المتحدة تُعدّ مقبولة على أسس أيديولوجية، ذلك أن أي اتفاق يجب أن يُنظر إليه كانتصار للمقاومة، لا للدبلوماسية أو الانفراج.
بالتالي، من شأن هذا الخطاب أن يُقيّد المفاوضين الإيرانيين، ويجبرهم على تبنّي مواقف متشدّدة، أو المخاطرة باتهامهم بخيانة المبادئ الوطنية. كما أنه يُوظَّف كأداة للتوطيد الداخلي، يستهدف المتشدّدين المحلّيين و"الحرس الثوري" الإيراني على حدّ سواء، بحيث يُعيد التأكيد على اصطفاف المرشد الأعلى مع الرؤية المعادية للغرب التي يتبناها "الحرس الثوري". ومن المرجّح أن يُقوّي هذا الخطاب موقف المتشدّدين داخل النظام، في الوقت الذي يُقوّض فيه الفصائل المعتدلة التي تدعو إلى المرونة أو التسوية، ما يزيد من الضغوط الداخلية لمقاومة الشروط الأميركية، خصوصاً تلك المتعلّقة بالبرامج الصاروخية والتدخلات الإقليمية.
تُظهر إشارة التصعيد هذه أن العداء الأيديولوجي يتفاقم، لا الاعتدال، وأن من أبرز آثارها العملية تقويض تدابير بناء الثقة. كما أن هذا الخطاب يوحي بأن إيران لا تعطي الأولوية للعودة إلى خطة العمل الشاملة المشتركة أو لأي إطار ينطوي على تطبيع العلاقات مع واشنطن، بل يزيد من احتمال لجوء طهران إلى تصعيد نشاطها النووي أو الإقليمي لانتزاع تنازلات، تحت مبرّر أنها تواجه عدوّاً وجودياً خبيثاً.
أما من جهة الولايات المتحدة، فإن مقاربة خامنئي تُعقّد إمكانيات تأمين الدعم الرسمي والشعبي لأي انخراط في اتفاق مع إيران. ومن المحتمل أن يستغلّ الصقور في واشنطن هذه اللغة كدليل في معارضتهم لأي تقارب مع النظام الإيراني، بوصفه نظاماً عدائياً بطبيعته لا يمكن التفاهم معه. والأهمّ من ذلك، أنهم قد يرون أن مجرّد الانخراط معه يُضفي عليه شرعية لا يستحقها.
في هذه الحال، فإن زيادة استقطاب المناقشات السياسية في واشنطن ستجعل الاستثمار في الدبلوماسية مكلفاً سياسياً بالنسبة إلى إدارة ترامب، وتُبرّر تبنّي موقف صدامي. كما أن هذا الخطاب يؤثر أيضاً على الجهات الفاعلة الخارجية، ولا سيّما دول الخليج العربي، التي قد تفسّره على أنه دليل على أن عداء إيران للولايات المتحدة ورفضها للتطبيع مع إسرائيل هو أمر بنيوي، لا تكتيكي.
إن تصعيد خامنئي الخطابي لا يقتصر على كونه رمزياً، بل يُشكّل إشارة استراتيجية تُضيّق مساحة التفاوض. وإذا ما استؤنفت المفاوضات، فمن المرجّح أن تجرى في ظلّ ظروف أكثر سوءاً، وتحت سحابة من انعدام الثقة وتدقيق داخلي أكثر صرامة، ما يُعقّد الجهود الرامية إلى التوصّل حتى إلى اتفاقات محدودة. كما أن احتمال انهيار الحيّز الدبلوماسي سيُعيد العلاقات الأميركية - الإيرانية إلى ديناميكيات الضغط الأقصى.
أخيراً، فيما يؤكد مبعوث ترامب إلى الشرق الأوسط ستيف ويتكوف أن أميركا "لديها خط أحمر واحد واضح للغاية وهو التخصيب. لا يمكننا السماح حتى بنسبة 1 في المئة من القدرة على التخصيب". وأتى الردّ الإيراني على لسان نائب وزير الخارجية للشؤون السياسية مجيد تخت روانجي الذي قال أمس إن المحادثات النووية بين إيران والولايات المتحدة "لن تؤدي إلى أي مكان" إذا أصرّت واشنطن على أن تخفض طهران نشاطها في تخصيب اليورانيوم إلى الصفر.
حتى الآن، لا تزال واشنطن مُتمسّكة بموقفها الرافض لأي مستوى من التخصيب، ما يُبقي فجوة الخلاف قائمة ويُقلّص هامش التقدّم في المحادثات.