شَهد لبنان والعاصمة بيروت خلال الأسبوع المُنصَرِم حَدَثين لافِتَين: افتتاح معرض بيروت العربي الدولي للكتاب، وإجراء الانتخابات البلدية في بيروت. قد يبدو الحدثان منفصلين، لكنهما في الواقع متصلان في العمق، ويعكسان موقع لبنان المتآكل سياسياً وثقافياً في محيطه الإقليمي والدولي. تكشف قراءة مُتأنية لهذين الحَدَثين الكثير عن أزمتنا المستمرة.
جَرت الانتخابات البلدية في بيروت والبقاع كمرحلة ثالثة من انتخابات بلدية واختيارية لم تُجْرَ منذ نحو تسع سنوات، رغم أن القانون يُحددها كل ست سنوات. ومع ذلك، فإن هذه "المهَل الدستورية" باتت بالنسبة للطبقة الحاكمة وشيوخ الطوائف مجرد خطوط مطاطية، تُمدَّد وتُعلَّق حسب مصالحهم، تماماً كما هي أخلاقهم السياسية التي تبرّر التحالفات كوسائل لخدمة غايات مذهبية مُقنَّعة.
انتخابات بيروت، التي امتنع البيارتة عن المشاركة فيها بشكل ملحوظ، عكست فشلاً مزدوجاً. فمن جهة، حَسَم التحالف الحزبي الهجين النتيجة مبكراً؛ ومن جهة أخرى، فشلت المعارضة بتشكيلاتها المختلفة في الاتعاظ من تجاربها السابقة، وعَجِز بعضها عن خَلع ضبابيته السياسية ونخبوية خطابه، أو التواضع الكافي للتقرب من الناس، لا سيما مع من تُصَنِّفُهم بالبسطاء أو "المُتقاعسين".
النتيجة، وبطبيعة الحال، كانت فوزاً كاسحاً للأحزاب التقليدية في المنظومة، إِثْرَ احترامها الظاهري لمبدأ المناصفة، وهي الذريعة ذاتها التي لم تَرْدَع "أشرف الناس" عن استباحة بيروت في 7 أيار 2008، ولم تَمْنَع خصومهم "السياديين" لاحقاً عن تبرير تحالفاتهم الشاذة مع الميليشيات، تلك التحالفات التي تُعْرَف بالعامية بـ "تركيب الذكر على الذكر".
تُذَكِرنا هذه الانتخابات من جديد بالحاجة لإعادة النظر في التقسيم الانتخابي للعاصمة، ليس فقط لأغراض التمثيل، بل لوَضع كيان إداري عصري قابل للتحديث، وتطبيق اللامركزية الإدارية بدءاً من المركز نفسه. إنها مسألة جوهرية وليست تَرَفاً سياسياً، كما يُرَوّج لها البعض من دعاة المركزية المُزمِنة.
أما في الضفة الثقافية، فقد افتُتح معرض بيروت العربي الدولي للكتاب في نسخته السادسة والستين. هذا الحدث، الراسخ في ذاكرة المدينة، رافقتُه منذ الطفولة حين كنت أزور المعرض مع والدي في "الغرفة الزجاجية" بوزارة السياحة، قبل انتقاله إلى واجهة بيروت البحرية، تلك التي دُفنت بعد الحرب الأهلية اللبنانية.
وشأنُه شأن الانتخابات، مَرّ المعرض بحالة سبات قَسرية نتيجة الأوضاع السياسية والاقتصادية، وسلسلة الجوائح التي ضربت لبنان، من الانهيار المالي إلى الحرب الأخيرة بين "حزب الله" وإسرائيل، التي عَطّلت قدرة هذه المنارة الثقافية على الاستمرار في أداء دورها.
ورغم التراجع الواضح في صناعة الكتاب والنشر في لبنان والمنطقة، يبقى هذا المعرض إنجازاً بحد ذاته، نظراً للتحديات الجسيمة التي تواجه تنظيمه. التجوال فيه يمنح الزائر فرصة لقاء دور النشر اللبنانية والعربية، ومصافحة أصحابها الشجعان، الذين لا يزالون يؤمنون بحِرفة بات كثيرون ينظرون إليها كترف أو وَهِم.
لكن في زوايا المعرض، أيضاً، يظهر المتطفّلون على الثقافة، وتماثيلهم وأيقوناتهم المستحدثة، الذين ينشرون الكتب والموسوعات التي تشبههم، فيما يُفتون في الوقت نفسه بقتل الكتاب وحرق المكتبات. إنها لازدواجية مميتة، تعكس أزمة الثقافة في زمن استسهال الرأي واحتقار المعرفة.
في المحصلة، إن الانتخابات البلدية ومعرض الكتاب هما حدثان يجب تثبيتهما كمحطتين أساسيتين في مسار نهوض لبنان، لا تأجيلهما أو تحوير معناهما تحت ذريعة الطوارئ. فلا بُد للبنان، كي يبقى منارة، أن يواصل تنفيذ استحقاقاته الديمقراطية واحتضان مشاريعه الثقافية، في وجه من يسكنون الأنفاق أو الملاجئ، ويريدون دَفْنَ كل شيء معهم.