شربل صفير

شهادة صادمة من قلب شبكة التهريب النسائية في لبنان

"حملت طفلي... والمخدرات معاً": امرأة دخلت المافيا من رحم الأمومة

5 دقائق للقراءة
تم إعدادها عبر تقنية الذكاء الاصطناعي

في بلد يتنفس الأزمات، تطفو على السطح قصص لا تُقال. نساء اخترن الصمت العميق كقناع، وارتدين أقنعة أخرى في الخفاء. في لبنان، لم تعد الجريمة حكراً على الرجال. بل إن نساءً يتقدّمن الصفوف في شبكات مافيا معقدة، ينسجن خيوط النفوذ في الظلال، ويضبطن الإيقاع في عالم يعجّ بالخداع، والمال، والمخاطرة.


هؤلاء النساء لا يظهرن في العناوين ولا تتصدر أسماؤهن مذكرات التوقيف بسهولة، لكنّهن موجودات. يحكمن شبكات التهريب وتجارة المخدرات، يدِرن صفقات خلف الستار، ويُعدن رسم معالم السلطة من حيث لا يراهن أحد.


المرأة... من دور الضحية إلى سيدة الظلال

لطالما صوّر المجتمع المرأة على أنها الحلقة الأضعف، لكنها في عالم المافيا تخلع هذا القالب، لتصبح لاعبة أساسية لا يُستهان بها. ليست مجرد أداة أو واجهة، بل محرك فعلي لعمليات التهريب، الترويج، والربط بين الحلقات المتباعدة. خلف هذا الدور الخفي، تكمن عقلية تنظيمية باردة، ومهارات نفسية دقيقة في قراءة الناس والسيطرة على التفاصيل.


الجريمة مرآة نفسية مشروخة

في حديث خاص إلى "نداء الوطن"، كشفت الاختصاصية في علم النفس العيادي والجريمة الدكتورة ميرا الحايك، عن أبعاد تتخطى الظاهر في تورّط النساء اللبنانيات في عالم الجريمة المنظمة.

تقول إن "هذا السلوك ليس وليد انحراف عشوائي، بل انعكاس مجتمعي ونفسي معقّد، حيث تجد بعض النساء في المافيا سلطة بديلة عن سلطة أُقصين عنها طويلًا. هنّ غالباً ضحايا سابقات: للعنف، للإذلال، أو للفقر. وحين تنهار البُنى حولهن، يبنين سلطة من رماد الصدمة".


وترى الحايك أن أغلب النساء اللواتي ينخرطن في شبكات الجريمة، يأتين من بيئات عاشت صدمات متكررة: عنف أسري، استغلال جنسي، تفكك عائلي أو غياب الأمان الاقتصادي. وتتابع: "هنّ لا يتصرفن كما يتصرف الرجال. المرأة تُجيد التمويه، وتُتقن فن التفاوض والابتزاز العاطفي. هذه أدوات تُصبح سلاحاً قاتلاً حين تدخل إلى الجريمة المنظمة".


وتحذّر الحايك من خطورة الازدواجية النفسية التي تعيشها هؤلاء النساء، حيث تُظهر المرأة حياة اجتماعية طبيعية، بينما تدير في الخفاء شبكة معقّدة من العلاقات والصفقات. وتضيف: "هذه الازدواجية قد تؤدي إلى اضطرابات نفسية حادة: من اضطراب الهوية إلى نوبات اكتئاب وانهيارات عصبية. الخطر لا يكمن فقط في الجريمة، بل في الانفجار النفسي غير المرئي".


أما المجتمع، بحسب الحايك، فهو "إما يشيطن المرأة المجرمة بشكل نمطي، أو ينكر وجودها أصلاً، وهذا أخطر لأن الإنكار لا يمنع الظاهرة، بل يُخفيها فقط خلف جدران الصمت".


شهادة حصرية لـ"نداء الوطن"

في حديث خاص لـ "نداء الوطن"، تروي "ر. سليمان"، وهي سيدة لبنانية في أوائل الثلاثينات، خرجت أخيراً من السجن بتهمة الترويج والتهريب، تفاصيل حياتها داخل عالم المافيا الذي اقتحمته من باب الفقر واليأس.


وكشفت أنها بدأت كمجرد "ناقلة" صغيرة: كنت أضع الكمية داخل علبة حليب الأطفال أو حقيبة الحفاضات. لم يكن أحد يفتّش أماً معها طفلها. لم أشعر أنني مجرمة… بل أمّ تحاول أن تطعم ابنها".


واعتبرت أن "الدخول إلى هذا العالم لم يكن خياراً رومانسياً أو حباً بالمخاطرة"، بل انطلقت من ضيق الحياة في أحد أحياء البؤس في الضاحية. وتضيف: "في البداية، كنت أبكي في كل مرة. لكن بعد أشهر، صار كل شيء عادياً. نزعوا منّي الخوف بالتدريج، وعلّموني أن الضعف عار، وأن البقاء للأقسى، لا للأصدق".


وتابعت سردها بهدوء مخيف: "كنت أحمل المال، أوزّع الكميات، أقابل رجالاً مدججين بالسلاح، وكنت وحدي. صرت مع الوقت أعرف الشيفرات، والسيارات، والتوقيت. كنت أدير شبكة من خمس فتيات... وكنّ يثقن بي أكثر من الرجال".


لكن عالمها انهار ذات يوم، عند نقطة تفتيش في البقاع. لم تكن الكمية كبيرة، لكن كان معها ما يكفي لإدانتها. وتقول: "أكثر ما آلمني ليس الحكم، بل نظرة أمي. لم تعرف أن ابنتها الوحيدة كانت تبيع الموت لأولاد غيرها".


وتختم بمرارة: "خرجت من السجن، لكن داخلي ما زال في الزنزانة. لا أبحث عن تبرير، بل عن بداية. فقط... بداية لا تمر عبر الحقيبة ذاتها التي كنت أحمل فيها ابني والمخدرات في آنٍ واحد".


المافيا المؤنّثة: ناعمة لكنها قاتلة

لا تعمل النساء في الجريمة بنفس الطريقة التي يعمل بها الرجال. فالعنف عندهن ليس جسدياً بالضرورة، بل هو نفسي، اجتماعي، عاطفي، وغالباً أشد فتكاً. يستثمرن في العلاقات، ويبنين شبكات سرية محكمة التنظيم، معتمدات على ثقافة التفاوض، والهدوء الماكر، والتكتيك الصامت. هذه السمات تمنحهن تفوقاً يصعب كشفه إلا بعد فوات الأوان.


ازدواجية قاتلة: بين الأمومة والسلطة

تعيش كثيرات من هؤلاء النساء حياة مزدوجة: أمّ في النهار، وعرّابة جريمة في الليل. يحضرن اجتماعات الأهل، ويُرسلن الأولاد إلى المدارس، ثم يدِرن عمليات تهريب وتبييض أموال. هذه الهوية المنقسمة قد تمنحهن تمويهاً مثالياً، لكنها أيضاً تصنع جرحاً داخلياً ينزف ببطء.


نساء لا يُرِدن الإنصاف... بل السيطرة

في مجتمع لا يزال يقيّد النساء ضمن أدوار نمطية، يظهر بعضهن كرمز للقوة في عالم مظلم، مليء بالسكوت. لا يمكن النظر إليهن كـ "شريرات" فقط، ولا كمجرد ضحايا. هنّ نتيجة مجتمع فشل في احتوائهن، فنزعْن الغطاء، وأعدْن صياغة مواقعهن في أبشع ساحات النفوذ.


في النهاية، لسنا أمام حكايات درامية بحتة، بل أمام بنية جريمة جديدة تُدار بنعومة، وتُخاض بأنوثة، وتُحسم بلا ضجيج... فقط برمشة عين، أو صفقة مموّهة، أو ابتسامة لا تفضح شيئاً.