تهافتٌ، فوضى، ازدحامٌ وتدافعٌ، هكذا كان المشهد عند إحدى نقاط توزيع المساعدات الغذائية لآلاف الغزيين وفق الآلية الأميركية عبر «مؤسّسة غزة الإنسانية». فالجوع قاتل والموارد معدومة، وهو ما دفع بالكثير من سكان قطاع غزة للتوجّه إلى مراكز توزيع المساعدات وفق قاعدة «مجبرٌ أخاكَ لا بطل»، رغم هجمات الجيش الإسرائيلي عليهم، والتي أودت بحياة مواطنين وجرح آخرين.
هو مكان معزول وبعيد من مناطق السكن والإيواء، محاط بأسلاك شائكة ومسارات محدّدة لدخول المواطنين، تنتهي ببوابات يقف أمامها رجال مسلّحون من الشركة الأميركية، يسمحون بدخول المواطنين على دفعات. آلاف الغزيين رجال ونساء وكهول، تهافتوا إلى نقطة التوزيع، أتى معظمهم مشياً على الأقدام من مسافات بعيدة أو على متن عربات تجرّها الحيوانات مقابل أجور مرتفعة. وقفوا في طوابير تفصل بينها الأسلاك الشائكة، للحصول على كميات قليلة من الأرز والمعكرونة والزيت وبعض المعلّبات.
شهد اليوم الأوّل من التوزيع ضغطاً كبيراً وفوضى عارمة، حتى الشركة الأميركية لم تكن تتوقع إقبالاً بهذه الكثافة، وكأنها صُدمت من أعداد الغزيين الذين لم يهمّهم من يوزّع ومن يشرف على العملية. ورغم الرصاص الإسرائيلي، أتوا من بعيد قاطعين الكيلومترات لأن الجوع لا يرحم.
عملية التوزيع استمرّت رغم الفوضى وفقدان السيطرة الذي شهدته العملية، ما يعكس واقعاً مريراً يشير إلى حجم الجوع والانهيار الذي يشهده قطاع غزة وأهله. حقيقة مؤلمة وصعبة يعيشها سكان غزة يومياً، بينما يسعى البعض إلى تسييس الواقع. فسردية أن «شعبنا أفشل المخطّط» هي اختزال مبالغ فيه ومسيّس للواقع، بحسب طارق دحلان، الصحافي الفلسطيني الذي يعايش كغيره من الفلسطينيين أزمة الجوع وفقدان الحاجات الأساسية.
واعتبر دحلان أن الغزيين توجّهوا إلى نقاط التوزيع بدافع الجوع لا البطولات، فالهجوم على هذه النقاط لم يكن فعل مقاومة ولا بهدف إفشال الآلية، بل كان تعبيراً عن حاجة إنسانية ملحّة. وأوضح أن النجاح الذي تحقق من حيث الإقبال على نقاط التوزيع لم يكن متوقعاً من قِبل الشركة الأميركية، إذ كان الهدف من اليوم الأوّل للتوزيع تجريبياً، لاختبار مدى تقبّل الناس للفكرة، فجاءت النتيجة صادمة للجميع وحصل التدافع والضغط والفوضى.
ورأى دحلان أن «الفصائل» التي فشلت في إدارة المشهد الإنساني والسياسي في غزة، تحاول اليوم صناعة انتصارات وهمية على حساب الغزيين الجائعين وكراماتهم، كما فعلت سابقاً حين تاجرت بدماء الضحايا. تعمد تلك «الفصائل» اليوم إلى تسويق معاناة الفلسطينيين على أنها إنجاز في وقت باتت فيه الكرامة مرتبطة بطرد غذائي.
وفيما الجدل قائم حول مدى فاعلية الآلية المدعومة أميركياً وسط انتقادات أممية شديدة لها، الوضع في قطاع غزة صعب والحقيقة مرّة، وجميع سكان القطاع البالغ عددهم أكثر من مليونين أصبحوا سواسية في الجوع والحاجة بفعل جحيم الحرب الإسرائيلية، حتى باتوا يعيشون بوجبة واحدة في اليوم.