ألقت النتائج الهزيلة للائحة بيروت مدينتي في الانتخابات البلدية الأخيرة ظلّها على مستقبل "التغييريّين" وعلى فعاليّة الدور السياسيّ لما يعرف بقوى المجتمع المدنيّ.
وسارع أصحاب الهزيمة وأصدقاؤهم إلى تقديم التفسيرات المعهودة والإقرار بأخطاء سبق أن سمعنا مثلها من قبل. ومنها: قدرة الأحزاب التقليدية على الحشد الطائفي واستغلال المال والسلطة لإعادة إنتاج علاقات زبائنية، وغياب العمل التنظيميّ التراكميّ لقوى التغيير، والافتقاد لماكينة حزبية فعّالة. وأُضيفَ إلى هذه التفسيرات المعتادة أيضاً أن العهد الجديد الذي يحمل راية التغيير قد حرم التغييريّين من ميزة معارضة النظام.
لكنّ كلّ هذه التفسيرات لا تفسّر الكثير. فمعظمها بديهيّ وغير جديد مما كان على قوى التغيير إدراكه أو تداركه، لا سيّما أنها خاضت تجارب انتخابية سابقة. أما القول إن الصفة التغييريّة للعهد الجديد حرمت التغييريّين ميزتهم فهو قول مستغرب. ألم يكن من المفترض أن يعطي وصول شعار التغيير إلى الحكم عبر شخصية كنواف سلام دفعة لتلك القوى بدلاً من إضعافها؟
في كل الأحوال، لا بدّ أن يدعونا الفشل المتكرّر والعريق للقوى المناوئة للأحزاب التقليدية وثبات السلوك الطائفي للناخب اللبناني، إلى مقاربة مختلفة للأمور، تبدأ بالإقرار بأهميّة وشرعيّة الانتماء الطائفي والتعامل معه ليس كرذيلة يجب نبذها كما تفعل قوى المجتمع المدني التغييريّة، بل باعتباره جزءاً من هوية جمعيّة حقيقية راسخة.
لا يعني ذلك طبعاً أن هذه الانتماءات الطائفية ودينامياتها ذات طابع أزليّ، كما لا يعني عدم وجود تباينات في داخلها، لكنه يستدعي التعامل معها ليس على أنها أمر معيب أو طارئ ينبغي عدم التطبيع معه. لا بل يجب الاعتراف به وبشرعيته، إنما من خلال نظرة تقدّمية قيميّة تستند إلى مفهوم للعدالة الاجتماعية لا يقتصر فقط على الأفراد أو الطبقات الاجتماعية والاقتصادية، بل يشمل أيضاً العدالة بين الجماعات الهوياتيّة بغض النظر عن مصادر تلك الهويات، إثنية كانت أم طائفية أم غير ذلك.
من هذا المنطلق يمكن النظر إلى قضايا المحاصصة الطائفية مثلاً من خلال مفهوم العدالة الاجتماعية لا من منظور التناتش الخالي من أي إطار قيمي. ويتطلّب ذلك إنتاج معايير وتطويرها لتُقيّم المطالبات الطائفية من باب عدالتها أو عدمها، بدلاً من رفضها لمجرّد كونها مطالب طائفية.
من خلال هذه النظرة يمكن للنشطاء السياسيين التقدّميين أن يعلنوا انتماءهم وانحيازهم إلى جماعة طائفية ما وان يدافعوا عن حقوقها وقضاياها. كما يُنتظر منهم أيضاً أن ينتقدوا جماعتهم عندما تستهتر بحقوق الجماعات الأخرى. وأن يحصل ذلك النقد أيضاً من خلال الانتماء إلى الطائفة المتجاوِزة، وليس بالضرورة من خلال التبرّؤ منها.
عندها يمكن للناشط الطائفي التغييريّ، إن جاز التعبير، أن يرفض العمل الطائفي التقليديّ القائم على البازارات وتوازنات القوة. فيصار إلى مشروع السلم والشراكة الأهلية ليس كتسوية موقتة (modus vivendi) تعكس توازنات القوى في وقت ما، بل كحلّ عادل تقبل به وتطوّره الجماعات الطائفية بعيداً قدر الإمكان من منطق القوة.
وفي بلد كلبنان تغيب الثقة فيه بين الجماعات الأهلية لأسباب عدة، أوّلها وليس آخرها تاريخها الدمويّ الحديث، لا تحلّ النزاعات الأهلية عبر التعالي عنها والنظر إليها على أنها وعي زائف أو خيانة للقيم الوطنية العليا، بل عبر الاعتراف بها ووضعها في إطار أخلاقي يخرجها إلى حيّز النور ويعطّل إمكاناتها التدميريّة.