هشام بو ناصيف

عندما يتبنّى العرب خيارات جمهوريّتنا الأولى

4 دقائق للقراءة

يمكن اختصار توجّهات السياسة الخارجيّة اللبنانيّة زمن الجمهوريّة الأولى بعد الاستقلال بما يلي: 1) التمسّك بالعلاقات الوديّة مع الغرب بعزّ الحرب الباردة. 2) تفضيل تجنّب المواجهة مع إسرائيل، مع ما يعنيه ذلك من إقرار ضمنيّ بحقّها بالوجود، على خيار الحرب الدائمة معها. 3) الارتياح، بالعلاقات العربيّة - العربيّة، للمحور المؤيّد للغرب (هاشميّو العراق؛ دول الخليج عموماً؛ معروف الدواليبي والنظام "الانفصالي" بسوريا بين 1961 و 1963؛ وخصوصاً الملك حسين بالأردن)، بمقابل الحذر الدائم من الأنظمة أو المنظّمات الراديكاليّة (القذّافي؛ أنظمة البعث؛ منظّمة فتح؛ والنظام الناصري).



التّوجّهات اللبنانيّة لم تكن مجرّد محاججة نظريّة، بل ترجمها رؤساء الجمهوريّة المتعاقبون لسياسات فعليّة. هكذا، شارك لبنان رمزيّاً وحسب في حرب الـ 1948، ورفض التورّط بالحروب العربيّة - الإسرائيليّة الأخرى؛ كما رفض لبنان قطع العلاقات الدبلوماسيّة مع فرنسا وإنكلترا عام 1956؛ وابتعد لبنان عن المشاريع الوحدويّة التي تورّطت بها سوريا. ومنذ اللحظة الأولى، كان لبنان عرضة لكراهية عربيّة صريحة أنكرت عليه حقّه بالقرار الوطني المستقلّ باسم القضايا القوميّة الكبرى التي ينبغي لها أن تسمو فوق المصالح القطريّة، لا سيّما بالقطر اللبناني المشبوه بسبب طابعه المسيحي/الغربي.



ولا يتّسع هذا المقال لاستعادة كلّ المآسي التي عانى منها لبنان بسبب أنظمة عربيّة تعاطت معه بمزيج من كراهية، وقسوة، وشعور حادّ بالدونيّة. يكفي التذكير بمسؤوليّة نظام حافظ الأسد المباشرة عن إسقاط اتفّاقيّة 17 أيّار، التي كان يمكن لها إيقاف شلّال الدم اللبناني عام 1983، علماً أنّ ذلك تمّ بدعم من نظام عربي آخر هو ليبيا القذّافي، ومن منظّمات فلسطينيّة مختلفة، ووسط رفض الأشقّاء المفترضين ممارسة أيّ ضغط على الأسد كرمى للبنان الذي ترك وحيداً بين براثن دمشق، قبل أن يقع لاحقاً فريسة التغوّل الشيعي، وسلاح "حزب اللّه".


لماذا أستذكر كلّ ذلك الآن؟ لأنّ الأيّام والأسابيع الماضية خرقها تطوّران مهمّان: 1) كلام للقائد السوري أحمد الشرع عن رغبته في الانضمام لاتفاقيّات أبرامز، أي لمعاهدات السلام العربيّة مع إسرائيل، أتبعه الشرع البارحة بالقول إنّ لسوريا وإسرائيل أعداء مشتركين، ويمكن لهما التعاون لتعزيز الأمن الإقليمي. 2) تسجيلات للرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر طفت إلى العلن يهزأ فيها من الأنظمة الراديكاليّة المصرّة على قتال إسرائيل، ويقول بوضوح إنّه إن قاتل مجدّداً فلتحرير الأرض المصريّة المحتلّة بسيناء، لا فلسطين.


ماذا تعني مواقف أحمد الشرع اليوم من إسرائيل، وتسجيلات عبد الناصر؟ هي تعني ببساطة أنّ جمهوريّة لبنان الأولى كانت على حقّ برفضها أخذ الراديكاليّة العربيّة البائدة محمل الجدّ. لم يتكالب أحد ضدّ لبنان قدر الأنظمة السوريّة المتعاقبة، ودائماً بحجّة فلسطين والعروبة. ولكنّ أحمد الشرع يتكلّم كقطري سوري، لا كعربي، أو حتّى كإسلامي معنيّ بفلسطين. بالمقياس نفسه، عندما رفض كميل شمعون تسليم رقبة لبنان للمدّ الناصري بالخمسينات، وللسلاح الفلسطيني لاحقاً، كما للاحتلال السوري، كان يتصرّف كقطري لبناني. ليست المسألة تالياً أنّ الوعي اللبناني الذي عبّر عنه شمعون لم يكن على حقّ؛ مأساته الحقيقيّة أنّه كان على حقّ قبل سواه بعقود.


ما هو صحيح بالنسبة إلى فلسطين، ومسألة الصراع العربي – الإسرائيلي، صحيح بدوره بالنسبة إلى العلاقة مع الغرب. من ضدّ الغرب اليوم بين العرب؟ أحمد الشرع الذي هرع للقاء ترامب قبل أسابيع، وغرقت سوريا بالفرحة لأنّ اللقاء حصل؟ أم نظام السيسي بمصر؟ أم بقايا حركة فتح بالضفّة؟ بالحقيقة، إذا ما استثنينا يتامى محور إيران، فلا قوّة سياسيّة جديّة بين العرب ضدّ الغرب. هنا أيضاً، تبدو خيارات الجمهوريّة اللبنانيّة الأولى أكثر حكمة من دعوة عبد الناصر الأميركيّين لو لم تعجبهم خياراته كي يشربوا البحر، "واللي مش مكفّيه البحر الأبيض ندّيله البحر الأحمر".



وليس القصد ممّا سبق أنّ العرب صاروا يشبهون جمهوريّة لبنان الأولى تماماً. صحيح أنّ خياراتهم الجديدة، وقد نضجوا، باتت صنو خياراتنا القديمة. ولكنّ جمهوريّتنا الأولى صانت الحريّات الإعلاميّة، والتعدّديّة الحزبيّة، والانتخابات الدوريّة التنافسيّة. والعالم العربي اليوم، كما هو معلوم، نقيض كلّ ذلك. يعني ذلك أنّ جيراننا، بعد أن تحسنّت رؤيتهم للأمور، لا يزالون قاصرين عن تجربة بدأناها قبل مئة عام. ويعني ذلك أيضاً أنّ اللبنانيّين الذين ساهموا بدمار بلادهم كرمى لتوجّهات أثبتت الأيّام سخفها، ينبغي أن يشعروا بالخجل من أنفسهم.