ريشار حرفوش

الذكاء الاصطناعي: من التحوّل الرقمي إلى التحوّل الحضاري

3 دقائق للقراءة

بدأ التحوّل الرقمي في القطاع العام مع حزب القوات اللبنانية في عامي 2015 و2016، من خلال مؤتمر الحكومة الإلكترونية الذي عُقد في معراب، حيث قدّم نواب "القوات" قانون الحكومة الإلكترونية. وتبع ذلك إطلاق خطة التحوّل الرقمي على يد وزيرة الدولة لشؤون التنمية الإدارية آنذاك، مي شدياق، في ظل غياب تصوّر شامل لدى الحكومة حول استحداث حقيبة وزارية متخصصة بهذا المجال.



في تلك المرحلة، ارتكز المشروع بشكل أساسي على رقمنة الإجراءات الحكومية وتطوير البنى التحتية ذات الصلة. أما اليوم، ومع استحداث حقيبة وزارية للتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، فقد وضعت الحكومة في بيانها الوزاري أهدافاً طموحة تتجاوز التحوّل الرقمي الإداري، نحو وضع إطار قانوني وتقني شامل لتوظيف الذكاء الاصطناعي في مختلف القطاعات. وهذا يتطلّب رؤية حديثة وشاملة للبنى التحتية التي تشرف عليها وزارة الاتصالات، وللإجراءات الحكومية المرتبطة بالمكننة والرقمنة التي تتولاها وزارة التنمية الإدارية، وللبيئة الكاملة للذكاء الاصطناعي في مجالات الاقتصاد، والتعليم، والثقافة، والصحة، وغيرها، في إطار من التعاون بين القطاعين العام والخاص.



من هنا، فإن دور وزارة الدولة للتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي يتمثّل في رسم الاستراتيجية العامة، ووضع السياسات والتشريعات المتعلقة بهذه المنظومة الشاملة، بينما تتولى الوزارات والجهات المعنية تنفيذ هذه السياسات ضمن نطاق اختصاصها.



وانطلاقاً من هذا التوجه، قرّر الوزير كمال شحادة إطلاق "البنية التحتية الرقمية الوطنية (National Digital Infrastructure)"، كإطار تنفيذي شامل للمشاريع الاستراتيجية الكبرى المعنية بالتحوّل الرقمي على المستوى الوطني.



فالذكاء الاصطناعي يتجاوز حدود المكننة والرقمنة والتحوّل الرقمي. ففي السنوات الأخيرة، لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرّد امتداد للتحوّل الرقمي، بل تحوّل إلى قوة دافعة نحو انتقال حضاري شامل يعيد تشكيل ملامح الاقتصاد، والتعليم، والإدارة، والثقافة. وبينما كان الهدف الأساسي من التحوّل الرقمي هو تحسين الكفاءة عبر رقمنة الخدمات، جاء الذكاء الاصطناعي ليُضيف بُعداً جديداً يقوم على التعلّم الذاتي، والتحليل العميق للبيانات، واتخاذ قرارات ذكية مدعومة بالخوارزميات.



إن التحوّل الذي يقوده الذكاء الاصطناعي ليس تطوراً تقنياً فحسب، بل هو تحوّل مفاهيمي يُغيّر نمط الحياة بأكمله. فهو يدفع الحكومات لتكون أكثر استجابة، والشركات لتكون أكثر ابتكاراً، والمؤسسات التعليمية لتكون أكثر قدرة على إعداد أجيال المستقبل. وفي عالم تتزايد فيه التحديات، يُعد الذكاء الاصطناعي أداة تمكين لا غنى عنها لبناء مجتمعات أكثر ذكاءً واستدامة ومرونة.



لذلك، فإن النقاش الدائر حول دور وزارة التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي مقارنةً بالوزارات الأخرى ذات الصلة هو في غير محلّه، لأن دورها الأساس هو وضع الخطة الشاملة لكل القطاعات، في حين تضع كل وزارة خطط التنفيذ ضمن نطاقها.



فعلى سبيل المثال، يُفترض بمكتب وزير الدولة لشؤون التنمية الإدارية أن يركّز على تطوير الإجراءات داخل الإدارة العامة، في إطار تنفيذ أهداف خطة الذكاء الاصطناعي. كما تتولى وزارة الاتصالات تجهيز البنية التحتية اللازمة لتخزين ونقل المعلومات، فيما تعمل وزارات الصحة، والتربية، والثقافة، وغيرها، على تطبيق السياسات العامة والقوانين التي تضعها وزارة التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، ضمن إطار تكاملي وشامل بين الوزارات المعنية.