بعد فترة من الاستقرار النسبي في لبنان، عاد شبح الفتنة ليطلّ مجدّداً على المشهد الداخليّ، في ظلّ تصاعد الانقسامات السياسية، وضغوط دولية لتطبيق القرار 1701، واستمرار الاعتداءات الإسرائيلية شبه اليومية. وفي هذا السياق المأزوم، انتشر خلال الأيام الماضية مقطع مصوّر على مواقع التواصل الاجتماعي يظهر مجموعة مسلّحة تُطلق على نفسها اسم "لواء الشيخ أحمد الأسير"، ما أعاد إلى الأذهان خطابات التطرّف والعنف التي عرفها لبنان في محطات سابقة، وأثار تساؤلات واسعة حول خلفيات هذا الظهور المفاجئ وتوقيته الحساس سياسياً وأمنياً.
مشاهد ملثّمة وخطاب تحريضي
يُظهر الشريط رجالاً ملثّمين يرتدون زياً عسكرياً ويحملون أسلحة، ويتحدّث أحدهم بلهجة تحريضية عن "الدفاع عن أهل السنة" في مواجهة "حزب اللّه" ومكوّنات لبنانية أخرى. غموض المكان والزمان في الفيديو، إلى جانب إخفاء الوجوه ووضوح الأسلحة، فتح الباب أمام تساؤلات مشروعة: من يقف وراء هذه المجموعة؟ ما هدفها؟ وهل يشكّل هذا الظهور محاولة لإحياء مجموعات متطرّفة تعرقل مسار العفو العام عن الإسلاميين، أم أنه أداة سياسية لتبرير استمرار سلاح "حزب اللّه" عبر التلويح بسلاح "سنّي متشدّد" يُستخدم كورقة تهويل؟
نفي قاطع من الأسير ومحيطه
في حديث خاص إلى "نداء الوطن"، نفى الناشط الإسلامي خالد البوبو، المقرّب من الشيخ أحمد الأسير، أي علاقة للشيخ أو محيطه بالمقطع المنتشر، مؤكداً أن "لا علاقة لنا لا من قريب ولا من بعيد بهذا الظهور المسلّح الذي يعكّر الأمن والاستقرار في لبنان، والرفض بشكل قاطع لغة التحريض والتهديد والعنف، وكلّ محاولات بثّ الفتنة تحت أي ذريعة".
وأضاف البوبو، نقلاً عن زوجة الشيخ الأسير وبالنيابة عنه، قوله: "نحن، عائلة الشيخ أحمد الأسير، وبالتنسيق المباشر معه، نرفض استخدام اسمه من قبل أي جهة ولأي أهداف مشبوهة وندين ونستنكر أي محاولة لزعزعة الأمن في الداخل اللبناني أو السوري".
استثمار الخوف وتكرار السيناريوات
مصادر مطلعة أفادت لـ "نداء الوطن" بأن الفيديو استُخدم سريعاً من قبل وسائل إعلامية محسوبة على "حزب اللّه" لتضخيم المخاوف من "التهديد التكفيري" داخل البيئة السنّية، في محاولة لتبرير استمرار سلاح "الحزب" تحت شعار "حماية لبنان من الفتنة".
ويشير مراقبون إلى أن هذا النمط ليس بجديد، بل يتكرّر كلّما طُرحت قضية نزع السلاح غير الشرعي. ففي كلّ مرّة تُفتح فيها هذه الملفات، تظهر مجموعات تُنسب إلى بيئات معيّنة، وتُستخدم لتغذية معادلة مفادها أن "السلاح ضرورة دفاعية" وليس عبئاً على الدولة.
بحسب هؤلاء، فإن الفيديو قد يكون مجرّد محاولة لصناعة "اختراق أمني وهمي" يُوظّف سياسياً لزرع الخوف داخل بيئة "حزب اللّه" وبعض المكوّنات الأخرى، عبر تصوير الطائفة السنّية كمصدر تهديد، ما يُعيد فتح جراح الطائفية ويُغلق الأبواب أمام أي مسار وطني جادّ لنزع السلاح وحصره بيد الدولة.
الطائفية كأداة لتعطيل الدولة
يرى مراقبون أنّ ما يُسمّى بـ "لواء الشيخ أحمد الأسير" قد لا يكون سوى أداة جديدة لإعادة إنتاج العصبيّات الطائفية وتبرير حالات الشحن السياسي، بدلاً من الدفع بلبنان نحو مشروع الدولة المدنية العادلة والمستقرّة.
في هذا المناخ المتوتر، تزداد الحاجة إلى تحصين الساحة اللبنانية من محاولات زعزعة الاستقرار،باعتماد نهج وطني جامع يكرّس دولة القانون والمؤسسات.