في أحد مقاهي البسطة التحتا، الحي البيروتي الذي يحتفظ بروح المدينة القديمة، يجلس رجال تجاوزوا أعمار الستين والسبعين، يتحدثون عن أيام خلت في التاريخ السياسي للطائفة السنية: عن زمن صائب سلام، عن "المرابطون"، عن صواريخ الاحتلال الإسرائيلي التي سقطت في شوارع العاصمة، وعن مقاومة شعبية لم تكن شعارات، بل أفعالاً محفورة في ذاكرة المدينة.
بيروت، ومن خلفها الطائفة السنية التي قاومت الاحتلال واحتضنت القضية الفلسطينية، تبدو اليوم عاصمة تبحث عن تعريف جديد لهويتها في زمن متقلب، لا تسوده الشعارات بل تفرضه الوقائع في شرق أوسط جديد.
من القومية إلى التنمية: انتقال في الأولويات
بعد نهاية الحرب الأهلية اللبنانية، وتحديداً مع بروز الرئيس الشهيد رفيق الحريري، بدأت الطائفة السنية في لبنان تشهد تحوّلاً جذرياً. لم يعد الصوت العالي للقومية العربية هو ما يحرّك السنة في ظل تراجع الأحزاب القومية العربية وكذلك توقيع "أوسلو"، بل المشاريع التعليمية والاستثمارية والخطط الاقتصادية لإعادة بيروت إلى خريطة المدن العالمية.
فلسطين: من قضية وجودية إلى وجدانية
كان الحريري بالنسبة للسنّة، وللبيارتة تحديداً، عنواناً لمرحلة جديدة عنوانها البناء والإعمار، ومع ذلك، لم تختفِ فلسطين من قلوبهم، بل تراجعت إلى الخلف، لتتحول إلى "قضية وجدانية" أكثر منها عنواناً سياسياً مباشراً في حياتهم اليومية.
المبادرة العربية للسلام
الخيار السني اللبناني كان جزءاً من حاضنة أكبر تمثلت في قمة بيروت عام 2002 و"مبادرة السلام العربية"، والتي شكلت يومها إطاراً عربياً جامعاً لحل القضية الفلسطينية، وبالتالي رأى سنة لبنان الحل الدبلوماسي خياراً واقعياً.
صراع المحاور: بين "الممانعة" و"الاعتدال"
ومع اغتيال الرئيس رفيق الحريري عام 2005، وأحداث 7 أيار 2008، وتراجع إمكانية تطبيق المبادرة العربية للسلام بفعل التعنت الإسرائيلي، ومن ثم سقوط فلسطين بالانقسام الداخلي، استمر لبنان بخيار الالتفات للأولويات الداخلية.
ليس ذلك فحسب بل مع تمدّد "محور الممانعة" ليصل إلى سوريا والعراق واليمن، تحت شعار "تحرير فلسطين"، رأى جزء كبير من السُنّة في لبنان أن القضية الفلسطينية اختُطفت، وأن مناصرتها قد تُفهم ضمناً كقبول بمحور إقليمي يهدّد التوازن الداخلي والاستقرار العربي.
صمت السنة: تخبط في الهوية
اليوم وبعد نتائج حرب أيلول وتراجع محور "الممانعة"، تلتزم الطائفة السنية في لبنان صمتاً لافتاً تجاه النقاش المتصاعد حول إمكانية مقاربة جديدة للعلاقة مع إسرائيل. صمتاً لا يُقرأ كموافقة، بل كحالة من الحذر والريبة وتخبط في الهوية.