مارتن عيد

تريزيا في لبنان: تكريم الذخائر في الإيمان الكاثوليكي

6 دقائق للقراءة

في الثالث عشر من حزيران الجاري، تستقبل الكنيسة في لبنان ذخائر القدّيسة تريزيا الطفل يسوع والوجه الأقدس، وهي مناسبة روحية تعني الكثير للذين يؤمنون بالقداسة. لكنها في الوقت نفسه تُثير تساؤلات مشروعة لدى كثيرين: ما معنى هذه الزيارة؟ ولماذا تُكرّم الكنيسة الكاثوليكية ما يُعرف بالذخائر، أي ما تبقّى من الجسد البشري بعد الموت؟ وهل لهذه البقايا قيمة تتجاوز حدود الذاكرة والحنين؟



الكنيسة الكاثوليكية ترى أن الجسد ليس مجرّد مادة تفنى، بل إنه شريك في مسيرة الروح نحو الله. هذا المبدأ لا ينبع فقط من تقليد تاريخي، بل من قلب الإيمان المسيحي الذي يعلن أنّ "الكلمة صار جسداً" (يوحنا 1:14). فالله نفسه، بحسب العقيدة، لم يكتفِ بأن يرسل تعاليمه إلى البشر، بل لبس جسداً بشرياً، عاش تألم ومات من خلاله. وهذا الجسد، جسد المسيح، لم يكن أداةً عابرة، بل صار المكان الذي عبرت فيه النعمة الإلهية نحو البشرية. ومن هنا، فإن الجسد، حتى بعد الموت، يبقى محتفظاً بكرامته، لا بصفته المادية بل بصفته علامة على ما حَمَله من محبّة وقداسة.



انطلاقاً من هذا الفهم، تولي الكنيسة الكاثوليكية اهتماماً خاصاً بأجساد القدّيسين، ليس لكونها بقايا بشرية فحسب، بل لأنها، في نظر المؤمنين، قد شَهِدت بفعل الروح، وعاشت الحقّ، وتألمت من أجل المحبة، فصار جسدها شاهداً ملموساً على ما عاشته الروح. لا يعبد الكاثوليك الذخائر، ولا يرون فيها صنماً، بل يكرّمونها كتعبير عن إيمانهم بأن الله يقدّس الإنسان بكل أبعاده، حتى المادية منها. وهذا ما يوضحه التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية في الفقرة 1674، حيث يُدرج تكريم الذخائر ضمن التقاليد الشعبية، وهي أشكال تدعو إلى التأمل والرجاء وتُغني حياة المؤمنين اليومية.



من اللاهوت إلى الكتاب المقدس، تتعدد النصوص التي تضيء على هذا البعد المقدّس للجسد. ففي أعمال الرسل، تُروى حادثة تُظهر كيف أن الناس كانوا يحملون مرضاهم ليقع عليهم "مجرد ظلّ بطرس عند مروره" (أعمال 5:15). وفي الفصل التاسع عشر، يُقال إن "مناديل ومآزر من جسد بولس كانت تُوضَع على المرضى فيشفون" (أعمال 19:11-12). كما يُعلن بولس في رسالته إلى أهل كورنثوس أن "أجسادنا هي هياكل للروح القدس" (1 كورنثوس 6:19). وفي الأناجيل، تظهر ملامح التكريم للجسد عند النساء اللواتي ذهبن إلى قبر يسوع لتطييب جسده حتى بعد موته، في ما يشبه أول طقس شعبي لتكريم الذخائر، وإن لم يكن يُسمّى كذلك حينها (مرقس 16).



أما تقليد الكنيسة فغنيّ بالشهادات التاريخية التي تعزّز هذا التوجّه. فابتداءً من القرون الأولى، كانت الذخائر تُحفظ في المذابح، وتُشيَّد الكنائس فوق قبور الشهداء، تعبيراً عن الإيمان بأن هؤلاء لا يزالون أحياء بالله، وأن أجسادهم التي استُشهدت في سبيل الحق، تستحق الإجلال. بل إن الكنيسة في مجمع نيقية الثاني عام 787، شرّعت رسمياً تكريم الذخائر، معتبرة أن "الكرامة المعطاة للذخائر تعود إلى الله نفسه"، لأنها لا تُمجّد الإنسان بقدر ما تُعلن عظمة من قدّسه.




زيارة تريزيا إلى لبنان

في هذا السياق، تبرز أهمية زيارة ذخائر القدّيسة تريزيا الطفل يسوع، لا كحدث فولكلوري أو تقليد عاطفي، بل كوقفة تأمل في ما تعنيه القداسة في زمننا، وكيف يمكن لحياة قصيرة ومخفية خلف جدران دير، أن تترك هذا الأثر الكوني. تريزيا، التي توفّيت عن عمر 24 عاماً في دير الكرمل في فرنسا عام 1897، لم تكتب كتباً ضخمة ولا أنجزت أعمالاً عظيمة بمعايير العالم. لكنها قدّمت حياتها اليومية بمحبة كاملة، وكتبت بسذاجة عميقة عن الطريق إلى الله والطفولة الروحية تلك القداسة التي تُبنى في التفاصيل: في الغفران، في الصمت، في الخدمة المتواضعة، وفي الثقة المطلقة بأن الله محبّة.



كتابها "قصة نفس" أصبح أحد أكثر النصوص تأثيراً في الروحانية المسيحية الحديثة، وأعلنها البابا يوحنا بولس الثاني "معلمة للكنيسة" عام 1997، وهو لقب لم يُمنح إلا لعدد قليل جداً من الشخصيات في تاريخ الكنيسة، وغالبيتهم من اللاهوتيين والآباء. وقد قال عنها البابا بيوس العاشر: "أعظم قديسة في الزمن الحاضر".



واليوم، حين تصل ذخائرها إلى لبنان، تحمل معها دعوة مفتوحة للتأمل في إمكانية أن يعيش الإنسان المعاصر قداسة مختلفة، وسط عالم منهك بالسرعة، والقلق، والمنافسة، والنسيان.



تكريم الذخائر ليس عودة إلى الماضي، بل هو عبور إلى جوهر الوجود الإنساني، دعوة للتوقّف أمام السؤال الكبير: ما الذي يبقى منّا؟ هل تمرّ أجسادنا في العالم كمجرّد أدوات، أم أن فيها ما يمكن أن يصير لغة للنعمة؟ فالجسد، في نهاية المطاف، ليس سجناً للروح كما تقول بعض الفلسفات القديمة، بل هو في المسيحية "مكان عبورها"، كما يكتب اللاهوتي الألماني كارل راهنر، الذي يرى أن الإنسان لا يعيش الروح إلا من خلال الجسد، ولا يختبر الله إلا من خلال اللحم والدم.



لبنان وتريزيا: علاقة روحية قديمة وحديثة

لبنان ليس فقط بلداً يستقبل الذخائر، بل كان من أوائل البلدان التي بادرت إلى تكريمها. ففي بلدة سهيلة الكسروانية، شُيِّد أول دير في العالم على اسم القدّيسة تريزيا الطفل يسوع عام 1927، بعد عامين فقط من إعلان قداستها. حيث يحتفظ هذا الدير بذخائر هامة للقدّيسة، خصوصاً بعد التوأمة الروحية التي أعلنت بين لبنان وليزيو لما طلب رئيس الدير ومنظّم زيارتها الأولى إلى لبنان وقتها، الأب سليم الرجي، أن يكون المذخّر (حامل الذخائر) نسخة طبق الأصل عن المذخّر الذي يطوف العالم، وكان له ما أراد فأصبح الدير واحة صلاة وتأمل ومركز إشعاع ومعلماً روحياً بارزاً.



في لبنان، العديد من الرعايا والأخويات وحتى الرهبانيات تحمل اسم القديسة تريزيا الطفل يسوع أو تنتهج روحانيتها وتسعى للاقتداء بحياتها وتكرمها وتطلب شفاعتها.



وهي اليوم ستقف مرّة جديدة، في لحظة تجمع الكنيسة المحلية بالكنيسة الجامعة، أمام جسد قدّيسة قادت الملايين إلى الإيمان، رغم أنها لم تغادر ديرها يوماً.



تكريم ذخائر القدّيسين، بحسب الكنيسة الكاثوليكية، هو تذكير بأن أجسادنا ليست عابرة، بل تحمل أثر الأبدية. وفي حضور ذخائر القدّيسة تريزيا، لا يكرَّم الجسد بقدر ما يُكرَّم الإله الذي سكنه، والنعمة التي عبَرت فيه، والإنسان الذي قال "نعم" للبساطة، وللحب، وللحياة.



من هنا، فإن زيارة ذخائر القدّيسة تريزيا ليست مجرّد عبور لرفات قديمة، بل هي مناسبة لإعادة طرح السؤال الإنساني الأهم: هل يمكن للحب أن يُجسّد؟ وهل يمكن للجسد أن يشهد للروح؟ وهل ما تبقّى من إنسان، قد يوقظ فينا ما تبقّى من إنسانيتنا؟