سبق أن منح الرئيس الأميركي دونالد ترامب، إيران، مهلة شهرَين، وفق تقارير، للتوصّل إلى تسوية نووية جديدة أو مواجهة قصف «لم ترَ مثله»، فيما استهِلّت المفاوضات الأميركية - الإيرانية بوساطة عُمانية في 12 نيسان الفائت. وإن كان توقيت ترامب صحيحاً ودقيقاً، وإذا ما احتسبنا انطلاق العدّ التنازلي منذ انطلاق الجولة الأولى، تكون «المهلة الأميركية» قد انتهت أمس. لم تعد طهران تملك ترف إضاعة الوقت بدبلوماسية «حياكة السجّاد» وأضحت أمام لحظة «الحقيقة الصعبة»، فإمّا السير عاجلاً بصفقة تُرضي واشنطن وتطمئنها، وإمّا مواجهة «الخيار العسكري» الذي قد يُهدّد مستقبل نظام الجمهورية الإسلامية. «الأجواء الإقليمية» لا تبشر خيراً، فالولايات المتحدة تستعدّ لإخلاء بعض الموظفين الأميركيين وعائلاتهم من دول في الشرق الأوسط، كما أصدرت تعليمات وتحذيرات وقيوداً لرعاياها وسط معلومات عن تحضيرات إسرائيلية جدّية لتوجيه ضربة لإيران.
بعد تباين أميركي - إيراني حول موعد عقد «الجولة السادسة» من المفاوضات النووية، ضرب الوسيط العُماني موعداً لها الأحد في مسقط. لكن طهران المأزومة، وإن لم تطرأ أي تطورات تغيّر مجرى الأحداث، ستذهب إلى مسقط تحت ضغط عسكري وسياسي هائل. ففضلاً عن «الحرب النفسية» المشتعلة حول احتمال تعرّضها لـ «صفعة عسكرية»، أصدر مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية قراراً أمس يُعلن رسمياً أن طهران تنتهك التزاماتها في مجال منع انتشار الأسلحة النووية، للمرّة الأولى منذ نحو 20 عاماً، ليُضفي نوعاً من «الشرعية الدولية» على أي هجوم قد تتعرّض له إيران، ما دفع الأخيرة للمسارعة إلى رفع سقف «التصعيد النووي» بإعلانها عن مجموعة «ردود انتقامية»، بينها استبدال أجهزة طرد مركزي من الجيل الأوّل بأخرى متطوّرة من الجيل السادس في محطة فوردو لزيادة انتاج اليورانيوم المخصّب بشكل كبير، والتعهّد بتشغيل منشأة تخصيب جديدة في منطقة آمنة.
يرى خبراء أن أميركا، بالتنسيق من حليفتها إسرائيل، تحاول لعب «الورقة النووية» الأخيرة للتوصّل إلى صفقة مع طهران تبعد شبح الحرب، محذرين من أن فشل هذه الجهود سيدخل المنطقة في «نفق قاتم». وفي إطار التنسيق الأميركي - الإسرائيلي، قرّر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي مُنِحَ ائتلافه «وقتاً ثميناً» بعدما نجا من تصويت على حلّ الكنيست، إرسال وزير الشؤون الاستراتيجية رون ديرمر ورئيس «الموساد» دافيد برنياع للقاء المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف، قبل خوض الأخير غمار «محادثات عسيرة ومفصلية» مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في عُمان.
يستبعد الخبراء أن يوافق نظام الملالي على التنازل عن إمكانية تخصيب اليورانيوم على الأراضي الإيرانية، لكنهم يعتبرون أن طهران ستقبل بـ «اقتراحات تسووية» قد يعرضها الوسيط العُماني، ترتب عليها تقديم تنازلات إضافية، إلّا أن مثل هذه المبادرات لن تحقق أي خرق ملموس. الخيارات المتاحة أمام الجمهورية الإسلامية تضيق سريعاً على وقع قرع طبول الحرب، الأمر الذي جعل طهران تُسعّر «لهجة التحدّي» للظهور بموقع القوي المستعدّ لمجابهة كافة الاحتمالات. فعمدت القوات المسلّحة الإيرانية على إطلاق مناورات عسكرية تركّز على «تحرّكات العدو» قبل موعدها المزمع، كما توعّد قائد «الحرس الثوري» حسين سلامي بالردّ على إسرائيل «بطريقة أكثر قوّة وتدميراً» من الهجمات السابقة، في وقت يطرح فيه أكثر من سيناريو عسكري للضربة التي قد توجّهها إسرائيل لإيران حال انهيار المفاوضات بشكل نهائي أو حتى قبل ذلك. لكن لماذا قد تكون «ساعة الصفر» لضرب إيران قد دقّت في حسابات إسرائيل؟
يوضح الخبراء أن طهران تعمل على إعادة ترميم دفاعاتها التي شلّتها إسرائيل سابقاً، كما تجهد لتعزيز ترسانتها الصاروخية الهجومية، معتبرين أن تل أبيب تريد انتهاز الفرصة السانحة أمامها قبل أن تصبح كلفة الضربة أعلى عليها مستقبلاً. وحول الوسائل التي قد تستخدمها إسرائيل في أي حملة عسكرية، يتحدّث الخبراء عن «أدوات واسعة» في جعبة تل أبيب التي تخوض حروباً معقدة على جبهات عدّة منذ هجوم 7 أكتوبر/تشرين الأوّل على غلاف غزة، لافتين النظر إلى نشر إسرائيل سفناً حربية لاستهداف ميناء الحديدة في اليمن هذا الأسبوع، في عملية نوعية بعيدة عن السواحل الإسرائيلية، كانت بمثابة «بروفة عملانية» لتحضير سلاح البحرية للمواجهة المرتقبة مع إيران، حيث قد تؤدّي الغواصات دوراً مهمّاً.
وتوقع الخبراء أن تُفعِّل إسرائيل كافة عملائها داخل إيران متى قرّرت المضي قدماً بما سيكون «أكبر عملية وأكثرها تعقيداً في تاريخها»، لشن «هجمات ميدانية» تخريبية واسعة النطاق على أهداف نووية وعسكرية واستراتيجية وأخرى مرتبطة بمراكز القيادة والسيطرة، تتخلّلها اغتيالات، بالتوازي مع سلسلة هجمات سيبرانية ضخمة لتعطيل الاتصالات وغيرها من القطاعات الحيوية، بهدف تقزيم قدرات إيران على الدفاع والهجوم المضاد. وكلّ هذا سيتزامن مع حملة جوّية تُسخّر من أجلها كلّ أسراب سلاح الجوّ الإسرائيلي، لتنفيذ موجات متتالية من الهجمات قد تستغرق أياماً أو حتى أسابيع، ستستخدم خلالها قنابل خارقة للتحصينات، وربّما قنابل نووية تكتيكية لتدمير منشآت نووية محصّنة داخل الجبال. وإذ يلفت الخبراء إلى افتقار إسرائيل إلى القاذفات الاستراتيجية، لم يستبعدوا تنفيذ عمليات إنزال نوعية خاطفة لوحدات خاصة لتفخيخ المواقع النووية وتفجيرها.
يؤكد الخبراء أن لدى إسرائيل القدرات التي تخوّلها ضرب البرنامج النووي الإيراني، لكنهم يعتبرون أن مشاركة الولايات المتحدة، ولو لوجستياً، ضرورية لرفع حظوظ نجاح مثل هكذا عملية شاملة، إذ لدى طهران منشآت ومفاعل كثيرة موزّعة على طول الجغرافيا الإيرانية وعرضها، ما يجعل أي عملية إسرائيلية منفردة للقضاء على البرنامج النووي بالغة الصعوبة، إنما ليست مستحيلة. تكرّر طهران تأكيدها أنها ستعيد بناء منشآتها إذا دُمّرت لأنها اكتسبت «خبرة نووية» غير قابلة للهزيمة، لذلك يربط الخبراء الخطر النووي الإيراني على المنطقة والعالم بوجود نظام ثيوقراطي كالنظام الحالي، علماً أن البرنامج النووي الإيراني يعود إلى ما قبل انتصار «الثورة الإسلامية» عام 1979.
لن يقبل «العقل الإسرائيلي» بإيران دولة نووية، هذا أمر محسوم وفق الخبراء الذين يقدّرون بأنه في حال كانت «الوثائق النووية» التي ادّعت طهران الحصول عليها من داخل إسرائيل، تحتوي فعلاً على معلومات حساسة وذات قيمة استراتيجية، فإن ذلك قد يُحفّز تل أبيب أكثر على اعتماد الحلّ العسكري، بعكس ما أراد قادة إيران تحقيقه بالكشف عنها، فهم استخدموها كـ «ورقة رادعة» تحول دون تعرّض بلادهم لهجوم إسرائيلي. صحيح أن ثقة ترامب بإبرام صفقة مع طهران تراجعت، بيد أنه يراهن على «تنازل إيراني» في اللحظة الأخيرة لتفادي «السيناريو الأسوأ». يرى بعض الخبراء أن توجيه «ضربة جراحية ومحدّدة» داخل إيران قد يجعلها تعيد حساباتها لتجنّب «ضربة ساحقة وشاملة»، بينما يحسم خبراء آخرون أن موقف الجمهورية الإسلامية بعد ضربة من هذا القبيل سيُصبح أكثر تشدّداً من أي وقت مضى.
لا تريد واشنطن حرباً مع طهران في الشرق الأوسط، حيث تقع قواعدها في مرمى الصواريخ الإيرانية. تأخذ إدارة ترامب التهديد الإيراني لقواتها وحلفائها على محمل الجدّ، وتخشى من ردّ إيراني ضخم ومكلف بشرياً ومادياً. لهذا تضع أميركا كلّ ثقلها لكي تؤتي المفاوضات ثمارها. عيون تل أبيب ستكون شاخصة في اتجاه عُمان ويدها على الزناد. فقدت إيران الكثير من «أوراق القوّة» لديها منذ «طوفان الأقصى» الذي جرف أذرعها وجعلها مكشوفة على رقعة الشطرنج الإقليمية. لم تعد طهران قادرة على ممارسة أكثر ما تبرع به، ألا وهو «شراء الوقت». فعامل الوقت ليس في مصلحة الجمهورية الإسلامية، وكلّما تقدّمت عقارب الساعة من دون تصاعد «الدخان الأبيض» من مسقط، كلّما اقترب «يوم الحساب» من الملالي.