ديزي حوّاط

تسمية العمليات العسكرية... معركة الرموز والأيديولوجيات في الشرق الأوسط

4 دقائق للقراءة
التصعيد الإسرائيلي - الإيراني يتجاوز تبادل النيران إلى صراع على الرموز والرسائل

في خضم التصعيد العسكري بين إسرائيل وإيران، تبرز أبعاد رمزية تتجاوز الشأن العسكري التقليدي، وتتجسد في تسميات العمليات التي تحمل في طياتها رسائل سياسية، دينية، وأيديولوجية.


الباحث والمؤرخ العسكري سامر قسيس يسلّط الضوء على هذا الجانب في حديثه لـ "نداء الوطن"، مؤكدًا أن "تسمية العمليات العسكرية ليست مصادفة، بل هي انعكاس لثقافات متجذرة وعقائد تتداخل مع السياسة".



الشرق الأوسط يمزج الدين بالمعارك

يرى قسيس أن "محور المقاومة"، يعتمد في تسمية عملياته على مصادر إسلامية، سواء من القرآن أو من التاريخ الإسلامي والشيعي، ويقول قسيس: "في منطقة الشرق الأوسط، لا يمكن فصل الدين عن السياسة والشأن العسكري، فالأسماء الدينية تخلق ارتباطًا عميقًا يجعل المقاتل يرى في العملية جزءًا من عقيدته، وواجبًا إيمانيًا يُكسبه ثوابًا في الآخرة". كذلك، تستخدم إسرائيل أسماء من التراث التوراتي، وهو جزء أساسي من هويتها القومية والدينية، مثل "الأسد الصاعد" و"عربات جدعون".


"بينما تعتمد الدول الغربية، مثل الولايات المتحدة وفرنسا، على أسماء العمليات العسكرية التي تكون عادة تقنية أو تحفيزية وتبتعد عن الرموز الدينية، فإن دول المنطقة العربية والشرق أوسطية تمزج بين الدين والسياسة بشكل وثيق"، على حدّ قول قسيس، ما يجعل تسمية العمليات العسكرية جزءًا من الصراع نفسه، حيث تحمل هذه الأسماء رسائل دينية وأيديولوجية تهدف إلى التحفيز ودعم المواقف السياسية.



"الأسد الصاعد" و"الوعد الصادق"

قبل ساعات من إطلاق العملية ضدّ إيران، زار رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو "حائط المبكى" ووضع ورقة بين حجارته تحمل آية من سفر العدد: "شعب يقوم كلبوة، ويرتفع كأسد". العملية التي أطلقت عليها إسرائيل اسم "الأسد الصاعد" تحمل رمزية نهوض القوة القومية والدينية، وتبعث برسالة مباشرة عن عزم إسرائيل على مواجهة ما تصفه بـ "الخطر الإيراني".


يستعرض قسيس إحدى الأفكار المتداولة والتي يعتبرها منطقية: فرمز "الأسد" لا يقتصر على الدلالة التوراتية لدى اليهود، بل يمتد إلى جذور تاريخية عميقة في الثقافة الفارسية أيضًا. لذلك، يرى أن اختيار اسم "الأسد الصاعد" لم يأتِ اعتباطًا، بل يُفهم كرسالة رمزية موجّهة إلى شعوب المنطقة، خصوصًا الشعب الإيراني، تحضّهم على التمرّد وتُلمّح إلى أن ما يجري قد يكون بداية لتحوّل سياسي أوسع من مجرّد ردّ عسكري محدود.


في المقابل، اختارت إيران ومحورها تسميات تعبّر عن استمرارية المقاومة والتعهد بالرد، مثل "الوعد الصادق 1، 2، 3". فهذه التسميات هي "سلسلة عمليات متتابعة تحمل بعدًا روحيًا، وتؤكد أن الردّ ليس محدودًا بل مستمرًا"، ما يعكس رؤية أيديولوجية ترى في القتال جزءًا من نضال ديني طويل.



أبرز أسماء العمليات العسكرية ورموزها الدينية

أسماء العمليات العسكرية لا تنفصل عن الرموز التاريخية والدينية التي تشترك فيها الأطراف أو تتقاطع، ومنها:

"السيوف الحديدية"، التي تحمل دلالة انتقامية وفق سفر صموئيل، فـ "السيف" استخدمته الجماعات اليهودية المُتخيلة للانتصار على العدو في نصوص "العهد القديم" في مواجهة "طوفان الأقصى"، وهو تعبير فلسطيني مستوحى من طوفان نوح، رمز التطهير والتغيير الجذري، ويستخدم في مواجهة إسرائيل.


"عناقيد الغضب" هو عنوان رواية شهيرة لجون ستاينبك، كما استخدمه الجيش الإسرائيلي كاسم لهجومه على لبنان عام 1996.


"ميركافوت جدعون" تعني "عربات جدعون"، وتستحضر شخصية توراتية محاربة، استخدم اسمها سابقًا في "نكبة 1948"، ويرمز اليوم إلى تصعيد عسكري إسرائيلي واسع في غزة.


"أولي البأس" تعني أهل الشدة والقوة في القتال، وترد في القرآن كإشارة إلى قوم أرسلهم الله لتأديب فاسدين بشجاعتهم وبطشهم.


"وحدة الساحات": تطرح مسألة وحدة الأمة والجماعة في الفقه السياسي الإسلامي، ومفهوم الوحدة العربية في المفهوم القومي العربي.



الحرب النفسية كجبهة إضافية

يشدّد قسيس على أن "تسمية العمليات هي جزء من الحرب النفسية والروحية، لا تقتصر على الواقع العسكري"، مضيفًا: "هذه الأسماء تعبّر عن سردية تاريخية مستمرة، تجذب وتعمل على التعبئة، وتخلق حالة من الشرعية الدينية والسياسية، تجعل من الصراع مسألة وجودية تستوجب المشاركة والدعم الكامل". وبهذا، تصبح الأسماء أدوات تعبئة، ووسائل ضغط نفسي، تشكل ساحة قتال معنوية ورمزية في صراعات الشرق الأوسط الممتدة.


يتضح أن التصعيد العسكري بين إسرائيل وإيران يتجاوز تبادل النيران إلى صراع على الرموز والرسائل. تسميات العمليات العسكرية مثل "الأسد الصاعد"، "الوعد الصادق"، و"طوفان الأقصى" ليست مجرّد كلمات، بل تمثل أدوات استراتيجية تعبّر عن تاريخ طويل من الصراع والأيديولوجيا، وتشكل محورًا أساسيًا لفهم طبيعة الصراع الحالي في الشرق الأوسط.