في عام 2018، أطلق ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان تحذيراً لافتاً حول مصير الاتفاق النووي الإيراني، متسائلاً عن المآلات التي قد يحملها عام 2025 إن لم يتم التوصل إلى اتفاق جديد وهو الذي ينتهي في أكتوبر 2025.
ربط الأمير هذا التساؤل بتحذير تاريخي من تكرار سيناريو "اتفاق ميونيخ 1938"، الذي فشل في كبح طموحات ألمانيا النازية، ومهّد الطريق نحو الحرب العالمية الثانية.
سؤال استراتيجي يعود للأذهان في ظل الحرب الدائرة اليوم بين إسرائيل وإيران، نتيجة فشل التوصل لاتفاق حول البرنامج النووي الإيراني في مهلة الستين يوماً، التي حددها الرئيس الأميركي دونالد ترامب لطهران.
انسحاب وتصعيد: مرحلة ترامب
بدأت الانهيارات الفعلية للاتفاق النووي عام 2018، حين أعلن الرئيس الأميركي آنذاك دونالد ترامب انسحاب بلاده من اتفاق 2015، معتبراً إياه غير كافٍ لردع إيران عن تطوير برنامجها النووي ودعم أذرعها في المنطقة.
لم يكتف ترامب بالانسحاب، بل أطلق سياسة "الضغط الأقصى" التي تضمنت سلة متكاملة من الإجراءات على إيران وحلفائها، مثل تفعيل بعض العقوبات على طهران، وإدراج الحوثيين على لائحة الإرهاب، وتضييق الخناق الاقتصادي على لبنان، وفرض قانون قيصر على سوريا، وبلغ التصعيد ذروته باغتيال قائد "فيلق القدس" الإيراني قاسم سليماني في بغداد مطلع عام 2020.
بايدن.. والشرط الروسي
مع تولي جو بايدن الرئاسة، حاولت واشنطن بقيادة الديمقراطيين إنجاح مسار التفاوض في فيينا ضمن صيغة (5+1)، إلا أن إيران فرضت شروطاً جديدة، من أبرزها ضمان موافقة الكونغرس على أي اتفاق مستقبلي، وتجميد العمل بأجهزة الطرد المركزي لديها بدل تدميرها.
الرفض الأميركي لتلك الشروط، خصوصاً مع سيطرة الجمهوريين على الكونغرس، عرقل جهود بايدن. ثم جاءت الحرب في أوكرانيا عام 2022 لتزيد المشهد تعقيداً، إذ استخدمت موسكو، الضامن للاتفاق، ورقة الضغط النووي الإيراني لمساومة الغرب على رفع بعض العقوبات عنها، ما أدى إلى انهيار المفاوضات مجدداً.
إسرائيل تحشد.. وطهران تتراجع
في المقابل، لم تنتظر إسرائيل تحركاً أميركياً حاسماً. فقد شنّ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو سلسلة عمليات تستهدف المشروع النووي الإيراني مباشرة، سواء عبر ضربات عسكرية أو اغتيالات. كما شنّ حملة عسكرية منسقة ضد أذرع إيران في المنطقة، من اليمن إلى العراق وسوريا، وصولاً إلى لبنان في حرب أيلول 2024، في محاولة لتأمين خطوط الهجوم الاستراتيجي نحو طهران.
هذه الحملة كانت، في تقديرات نتنياهو، تمهيداً لهجوم أكبر يستهدف منشآت إيران النووية بشكل مباشر.
ترامب يعود.. والضوء الأخضر يُمنح
عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض في الانتخابات الرئاسية الأميركية غيّرت قواعد اللعبة. تقارب ترامب ونتنياهو أوجد أرضية مشتركة لتنفيذ الخيار العسكري. ومع تباطؤ إيران في الرد على مهلة تفاوضية حُددت بستين يوماً، منحت واشنطن تل أبيب الضوء الأخضر لتنفيذ ضربتها المنتظرة.
أهداف الضربة كانت واضحة: إما إنهاء المشروع النووي الإيراني عسكرياً، أو إجبار طهران على العودة إلى طاولة المفاوضات دون شروط أو أوراق ضغط.
تحذير أصبح واقعاً
التحذير السعودي في 2018 لم يكن عابراً، بل قراءة استراتيجية واقعية لمسار خطير. فمع غياب اتفاق نووي، وتصاعد نبرة المواجهة الإسرائيلية، وانحسار نفوذ طهران الإقليمي بعد خسائر متلاحقة في "حرب الأذرع"، لم يعد عام 2025 عاماً للتفاوض... بل أصبح عام الحرب.