بالتزامن مع المسعى اللبناني - الفلسطيني لسحب السلاح من المخيّمات الفلسطينية، صدر عن "دار سائر المشرق" في بيروت، كتاب: "اللاجئون الفلسطينيّون في لبنان: الحقوق الإنسانية والمخاوف السياسية"، الذي هو بمثابة مذكّرات كاتبه الوزير السابق الدكتور حسن منيمنة، عن المرحلة التي تولّى فيها لجنة الحوار اللبناني - الفلسطيني بين العامَين 2014 و2021. تظهر في الكتاب بوضوح إشكالية المواءمة بين الهواجس الديموغرافية والحاجات الإنسانية للّاجئين الفلسطينيين، والترتيبات الواجب اتّخاذها في ظلّ المشاريع الإقليمية التي تبحث بؤر التوتّر لاستغلالها وحرفها نحو مصالحها. وقد عكست المناقشات داخل لجنة الحوار، التي تمثّلت فيها جميع القوى السياسية اللبنانية، الخلفيّات التي تتحكّم بملف الوجود الفلسطيني في لبنان منذ أواخر الستينات. هنا مقتطفات من الكتاب.
بتاريخ 17/4/2014 أصدر رئيس الحكومة تمّام سلام قراراً رقم 79/2014 القاضي بتكليفي رئاسة لجنة الحوار اللبناني - الفلسطيني بعد استقالة رئيسها السابق الأستاذ خلدون الشريف إثر خروج الرئيس نجيب ميقاتي من رئاسة الحكومة.
ولم يفاتحني أحد بالأمر قبل تبلّغي القرار عن طريق أمين عام مجلس الوزراء المرحوم الدكتور سهيل البوجي. والأرجح أنّ اختياري لهذا الموقع كان نتيجة ما يُعرف عن اهتمامي ومتابعتي للموضوع الفلسطيني وقضايا اللاجئين الفلسطينيين في لبنان. وهو اهتمام عايشته في مراحل مبكرة من عمري، باعتبار القضية الفلسطينية هي الشغل الشاغل لأبناء جيلي، وسط الصخب الذي عرفته المنطقة العربية بعد هزيمة العام 1967.
كانت الخطوة الأولى لي بعد مباشرة العمل التعرّف إلى واقع عمل اللجنة في المراحل السابقة، ما أُنجز وما لم يُنجز، وماهيّة التحديات التي تواجه عملها. واطّلعتُ على كلّ الملفات الخاصة بها... معظم هذه الموضوعات والقضايا بُحثت في اللجنة منذ إنشائها، لكنها بقيت من دون حلول رغم الجهود التي بذلت والدراسات والاقتراحات التي قُدِّمت.
كان من الواضح والجليّ أنّ السبب الرئيس لهذا الفشل في تحقيق أيّ تقدّم في مسار معالجة قضايا اللاجئين الفلسطينيين رغم كلّ المحاولات التي بُذلت، هو غياب سياسة رسمية موحّدة تجاه الموضوع الفلسطيني عامة، وقضايا اللاجئين بشكل خاص، وبكلام أوضح، هو نتيجة الانقسام اللبناني حول هذا الموضوع في جوانبه كافة. ففيما يَعتبر قسم من اللبنانيين الوجود الفلسطيني في لبنان خطرًا وجوديًّا، يهدّد الكيان والتوازنات الديمغرافية والنظام القائم، وبالتالي يرفض منح اللاجئين أبسط حقوقهم ومتطلّبات عيشهم، فإنّ القسم الثاني من اللبنانيين لا يُقرّ تلك النظرة للوجود الفلسطيني، ويدعو إلى إعطاء اللاجئين بعض حقوقهم الإنسانية وتحسين شروط عيشهم ومعاشهم في لبنان.
إنّ هذا الانقسام الحاد بين اللبنانيين في النظرة إلى الوجود الفلسطيني في لبنان، أدى إلى تغييب كلّي لسياسة رسمية موحّدة تجاه اللاجئين الفلسطينيين، وحال دون صدور أيّ مرسوم أو قانون يتعلّق بتحسين ظروف عيشهم، إلّا في حالات شبه نادرة وبعد صراع سياسي كبير وبنصوص متجزأة، كما حصل سنة 2010 مع تعديل قانون العمل. كما انعكس هذا الانقسام على تعاطي الوزارات والمؤسسات الرسمية مع قضايا اللاجئين تبعًا لانتماءات من يديرونها وأهوائهم.
تجاه هذا الواقع وجدنا أنفسنا في لجنة الحوار أمام أول سؤالَين مفصليَّين يجب العمل على إيجاد حلول لهما تمهيدًا لحلّ عقد موضوعات اللاجئين.
الأول: هل بالإمكان بلورة رؤية لبنانية موحّدة تجاه قضايا اللاجئين بتوافق القوى السياسية الأساسية المختلفة، ويتمّ تبنّيها وإقرارها في مجلسَي الوزراء والنواب كمقدّمة لإنتاج سياسة لبنانية واحدة؟
الثاني: كيف يمكن إعادة بناء علاقات سويّة بين اللبنانيين عامة والفلسطينيين المقيمين على أرضه، والتي أفسدتها سنوات الحرب الأهليّة بكلّ ما فيها من مآسٍ، وما ولّدته من مخاوف، ما زالت تتحكّم بمواقفهم تجاه بعضهم البعض، رغم مرور ما يزيد عن أربعة عقود على ذلك الصراع المشؤوم.
لكن، من جهة ثانية، ومع العمل للإجابة عن المعضلتَين اللّتَين أشرنا إليهما، كان لا بدّ من إعادة تفعيل دور اللّجنة وفريق عملها التقني، خصوصاً أنّ دورها الاستشاري وربط تمويلها بالجهات المانحة كان سبباً في خفض سقف قدراتها على الفعل والمتابعة والتأثير. الأمر الذي يتطلّب توثيق العلاقة مع الشركاء الدوليّين من جهات مانحة ومؤسسات دوليّة لوضع برامج ومشاريع مشتركة تخدم مجتمع اللاجئين.
توافقات وتوصيات
كان من الطبيعي بحث هذه الموضوعات، خاصةً مسألة تشكيل لجنة وطنية لرسم سياسات الدولة اللبنانية تجاه اللاجئين، مع رئيس الحكومة الأستاذ تمّام سلام الذي أبدى اهتمامًا كبيرًا وقدّم دعمًا كاملًا لمشاريع لجنة الحوار، خصوصًا أنه كان من الواضح لأيّ متابع بأن المدخل الصحيح لمعالجة قضايا اللاجئين، هو بتأمين التوافق اللبناني، ولو بحدّه الأدنى تجاه المسائل والموضوعات الرئيسية التي يواجهها اللاجئون. وبداية تحقيق هذا الأمر تكون بوضع رؤية لبنانية مشتركة تجمع عليها القوى السياسية الأساسية اللبنانية والممثّلة في مجلسَي الوزراء والنواب.
من هنا انطلقت فكرة جمع القوى السياسية حول طاولة حوار لمناقشة كافة الموضوعات الخاصة باللاجئين الفلسطينيين. وبالرغم من التحذيرات التي تلقيتُها حول استحالة تحقيق هذا الأمر لشدة الاختلاف اللبناني حوله، إلا أنني كنتُ وما زلتُ مؤمنًا بأن الحوار هو الطريق الوحيد لحل الكثير من التباينات بين اللبنانيين، شرط أن يكون عقلانيًا وموضوعيًا وأكاديميًا، وأن يتولّاه أناس يتّصفون بهذه الصفات، ولو كانوا حزبيين. وكان قد سبق لي عندما كنت وزيراً للتربية أن خضت تجربتَين من هذا النوع...
هاتان التجربتان في الحوار كمدخل لمعالجة القضايا الخلافية بين اللبنانيّين، تقولان بإمكانية الوصول إلى حلول للمسائل المختلف حولها شرط توافر عنصرَين أساسيَين هما:
الأول، حُسن اختيار الشخصية المؤهّلة للحوار وتميّزها بالمعرفة والتفكير المنهجي العقلاني.
والثاني، ضمان عدم تراجع الزعماء السياسيين عما يتوصّل إليه ممثّلوهم من توصيات.
انطلاقاً من ذلك، قمت بجولة شملت زعماء الأحزاب ورؤساء الكتل النيابية الأساسيّة، الجنرال ميشال عون، الرئيس أمين الجميل، الرئيس نبيه بري، الرئيس سعد الحريري، الأستاذ وليد جنبلاط، الدكتور سمير جعجع، النائب محمد رعد. كما التقيتُ الوزير جبران باسيل والنائب سامي الجميّل.
وافق الجميع على المشاركة في مجموعة العمل، مع إصراري وتمنياتي أن يكون اختيارهم لمندوبيهم ممن يتّصفون بالمواصفات التي ذكرت، وأيضاً أن يكونوا قريبين منهم وقادرين على التواصل الدائم معهم، لإطلاعهم على مسار العمل والتوصيات المقترحة، والحصول على موافقاتهم على تلك التوصيات قبل صدورها النهائي. وكان الهدف من وراء ذلك تجنّب التراجع عن أي توصية تقرّها المجموعة.
تشكّلت اللّجنة التي بات اسمها "مجموعة العمل حول قضايا اللاجئين الفلسطينيين في لبنان" من:
- ممثّلي القوى السياسية السادة: النائب د. علي فيّاض (حزب الله)، النائب سيمون أبي رميا (التيّار الوطني الحر)، النائب د. عمار حوري (تيّار المستقبل)، الوزير السابق طوني كرم (حزب القوات اللبنانية)، الوزير السابق سليم الصايغ ثم حلّ محلّه المحامي الأستاذ رفيق غانم (حزب الكتائب)، الأستاذ محمد الجباوي (حركة أمل)، والدكتور بهاء أبو كرّوم (الحزب التقدمي الاشتراكي).
- عن لجنة الحوار: رئيس اللجنة الوزير السابق حسن منيمنة، ومدير الفريق التقني الأستاذ عبد الناصر الأيي، والدكتورة مي حمود، والدكتور زهير الهواري بصفة أمين سر المجموعة.
- فريق من الميسّرين والخبراء في إدارة الحوار وصياغة التوافق ويضم: د. أنطوان حداد ميسّرًا، والخبيرَين الأستاذ أديب نعمة والأستاذ زياد الصائغ.
باشرت مجموعة العمل اجتماعاتها في أواخر كانون الأول 2015 بجلسة تمهيدية وتعارف. وفي التاسع من شهر كانون الثاني 2015 عقدت أول اجتماع لها بحضور رئيس الحكومة تمّام سلام، وبمشاركة أعضاء المجموعة.
حدّدت المجموعة أهدافها الرئيسية بالآتي:
أ- إقامة حوار رسمي بين الأطراف السياسية اللبنانية بشأن أوضاع اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، بهدف تقريب وجهات النظر في ما بينها في هذا الملف.
ب- العمل على بلورة نص جامع يعبّر عن وجهة النظر المشتركة للأطراف اللبنانيين المشاركين في الحوار، ما من شأنه المساهمة في مساعدة الحكومة اللبنانية على بلورة استراتيجية وطنية مستقرّة في قضية اللاجئين الفلسطينيين.
ج- تقديم اقتراحات للحكومة والأطراف الرسمية اللبنانية المعنية بشأن السياسات والخطوات التي يمكن اتّخاذها من أجل معالجة المشكلات التي تواجه اللاجئين الفلسطينيين وعلاقاتهم بالدولة اللبنانية. كما حدّدت الإطار المرجعي لعملها...
عملت المجموعة لمدة عامَين تقريباً وبشكل أسبوعي ومتواصل، ولم تنقطع عن الاجتماع إلا في العطل والأعياد الرسمية. وبلغ عدد الاجتماعات التي عقدتها ما يزيد عن 52 اجتماعاً، عبّر خلالها جميع الأفرقاء عن مواقفهم، وفي الوقت نفسه عن جدّية سعيهم للوصول إلى توافقات لا تخرج عن المبادئ والأطر المرجعية المحدّدة. وكانت كلّ مسألة تستغرق عدة اجتماعات من النقاشات المعمّقة قبل الوصول إلى نص توافقي حولها. ورغم موافقة الحاضرين على الصيغة النهائية للنص المقترح، كان يُطلب منهم إطلاع رؤساء أحزابهم على ما تمّ التوصل إليه والحصول على موافقتهم على الصيغة المقترحة. وكثيراً ما عاد بعض الأعضاء باقتراح تعديلات بناء لتوجيهات رؤسائهم. وعند ذلك يتمّ إقرار الصيغة النهائية لنص البند المنجز، ويضع جميع ممثّلي القوى السياسية توقيعهم على الصيغة النهائية. وكلّ ذلك بهدف الحيلولة دون أي تراجع لاحق من رؤساء أحزابهم عن النصوص المقترحة.
وثيقة الرؤية اللبنانية الموحّدة
في 17 تشرين الثاني 2016 وقّع ممثّلو القوى السياسية والكتل النيابية على النص النهائي للوثيقة، مع تمنّع حزب الكتائب عن ذلك، لتحفّظه على بند حق تشكيل الجمعيات لدى الفلسطينيين فقط. ومنذ تلك اللحظة بات لدينا، ولأول مرة، موقف لبناني جامع وموحّد تجاه قضايا اللاجئين الفلسطينيين، وإطار ورؤية لبنانية موحّدة لأسس معالجة مشاكل اللجوء الفلسطيني، تشكّل جميعها مدخلاً لإقرار المراسيم والقوانين المتعلّقة بهذا الملف.
تناولت الوثيقة – الرؤية، القضايا الأساسية الآتية: التوطين، تعريف اللاجئ الفلسطيني، الأوضاع المعيشية، والحقوق الإنسانية، السكن، إدارة المخيّمات، تأسيس الجمعيات والأمن. كما أكدت المجموعة حق العودة والعلاقة مع الأونروا وضرورة تطوير عمل لجنة الحوار اللبناني - الفلسطيني.
