طوني عطية

للكاتب والصحافي نقولا ناصيف

جان عبيد ستّة عقود في الوطن

7 دقائق للقراءة

شكّل جان عبيد علامة فارقة في السياسة اللبنانية. إنه النائب والوزير والمستشار، والمرشّح الدائم إلى رئاسة الجمهورية، والحاضر في توقّعات المنجّمين والسياسيين. تعاطى معه مؤيّدوه ومعارضوه على أنه الرئيس المقبل، في كلّ مرّة تطلق بعبدا معارك السباق الرئاسي. علاقاته التاريخية والفكرية والاجتماعية و «العروبيّة» مع سوريا الأسد في عهدي الأب والابن، لم تمنحه مفاتيح القصر، الذي عرف أروقته وحفظ أسراره وشهد متغيّراته أكثر من الجالسين على كرسيه. محطات كثيرة وكبيرة مرّت في حياة جان عبيد، وثّقها الكاتب والصحافي نقولا ناصيف في كتابه الجديد الصادر عن «مؤسسة جان عبيد» و«دار النهار للنشر» بعنوان «جان عبيد ستّة عقود في الوطن». يضمّه إلى جانب شخصيات وقادة لبنانيين عدّة، حوّل الكاتب مسيرتها إلى كلمات وصفحات، تُشكّل مرجعاً مهمّاً للباحثين والأكاديميين والمهتمّين بتاريخ لبنان.



عرّف الكاتب سجلّ حياة عبيد السياسي في كلمة التوقيع بأنّه «وُلد في «الجمهوريّة الأولى»، وتدرّب في «الجمهورية الثانية»، وصعد في «الجمهورية الثالثة». فيه يصحّ أن يُقال إن الجمهوريّات الثلاث أقامت، لكلّ منها معه قصة ممّا رُوي له أو خبر معايشتها أو خاض تحدياتها بنجاحاتها وخيباتها، هو العابر في عقود ستة بتعاقب رجالاتها الأوّلين والمتأخرين، وتوالي حقب الحروب الصغيرة والكبيرة، والعداوات والصداقات، والانقسامات والتواطؤات، والتحالفات والخيانات، هو أيضاً السياسي الذي أقام الصحافي القديم في يوميّات حياته بلا انقطاع. الشفوي بامتياز الذي لا يرتوي حاضره من ماضيه ويراكم فيه».



سياسي «بلا أعداء»

عندما لا يكون له أعداء، لا خوف عنده من موت يأتي من خارج. لم يفته الهاجس الأمني، ولم يخشَ من أن يُقتل مع أنّ صداقاته المتشعّبة يتقاطع فيها الأعداء والخصوم والحلفاء ترشّحه لخاتمة كهذه. خُطف مرّتين، الأولى عام 1967 لبضع ساعات، ثمّ عام 1987 لأربعة أيام. في كلتَي الحادثتَين، ليس ما يدعوه إلى الخوف من الموت. فيه كمَنَ اعتقاده أنه ليس في دائرته. غير مشهود عنه المجازفة والمغامرة والتهوّر، ولا اختار – ككثيرين ممّن عرفهم وصادقهم. هو النموذج الكثير الوثوق بما ترسمه الأقدار لا البشر. ظلّ، إلى الأيام الأخيرة، قبل أن يرحل في غيبوبة طويلة، يُصدّق أنّ الموت لا يزال بعيداً لأنه لم يُنهِ ما عليه أن يفعله.



استعصاءان

كان جان عبيد على يسار الخطّ المسيحي التاريخي الذي جسّدته في إحدى مراحله «الجبهة اللبنانيّة» والشيخ بشير الجميل، خصوصاً في النظرة إلى لبنان ومصالحه الوجودية والعلاقة مع سوريا «البعث». كما برز الخلاف والتباين في وقت لاحق بين عبيد والبطريرك مار نصرالله بطرس صفير.

ولفهم هذه المسألة، يشير الكتاب في القسم السابع إلى أنه «مع ولاية الياس سركيس، اختبر جان عبيد إحدى أصعب محطّاتِ الخلاف الخفيّ بينه وبين بشير الجميّل. كلاهما على طرف نقيضٍ من الآخر في كلّ ما يمت بصلة إلى الحرب، كما إلى سبل الخروج منها. ما كان ينفّر أحدهما من الآخر وارتيابه فيه، كمّ واسع من المفاهيم وأسلوب التفكير والثّقافة السّياسيّة والعقيدة والعمل، ناهيك بالخيارات والعلاقات الوطنيّة والإقليميّة. مقدار اعتقاد جان عبيد أنه قادر على خوض مواجهات وهو أعزل، لم يتردّد بشير الجميّل في توسّل العنف. بان لقائد «القوّات اللّبنانيّة» مزعجاً أكثر منه مقلقاً، في منطقة واقعة تحت سيطرة الميليشيا التي يقود. في المقابل، وجد الأوّل في خيار الثاني علاقته بإسرائيل خطراً أكثر ممّا يحتمل لبنان.


لم يكن الموقف من سوريا أقلّ وطأة. بينما خاض بشير الجميّل مع قواته جولات متوالية من الصّدامات العسكريّة المُكلفة، المتنقّلة بين الأشرفيّة والشّمال وزحلة والضّاحية الجنوبيّة لبيروت امتداداً إلى المتن وكسروان وجبيل، كان جان عبيد أكثر المُتَيقّنين بأن لا خروج للبنان من الحرب الأهليّة من دون مؤازرة سوريا وبلا تَسوِيَة سياسيّة ينخرط الأفرقاء جميعاً فيها بتنازلات مُتبادلة.


لم يُخفِ، هو المقيم في المناطق المحسوب عدوّاً لها، علاقته الطّويلة بسوريا وقيادتها، ولا بأحزاب عقائديّة كانت جزءاً لا يتجزّأ من صراع بشير الجميّل مع هذا الفريق على مرحلتَين: بينه و «الحركة الوطنيّة» وكان «حزب البعث» بشقّه السّوريّ في صلبها، ومع وجود القوّات السّوريّة في لبنان.


كلاهما حملا مشروع الوصول إلى رئاسة الجمهوريّة مبكّراً، على نحو أشعرَ مَن يُحيط بهما بمغامرته ونسجه أوهاماً غير قابلة للتّصديق إبّان الحقبة تلك. ما ضمره جان عبيد عاملاً له بتأنّ وصمت، جهر به بشير الجميّل وجازف في استعجال موعده والقفز من فوق الزّمن واستنفاد المراحل. بينهما فارق جوهريّ كبير، واسع التأثير والفاعليّة في الإمكانات والوسائل والقدرة على مواجهة الخصوم، والاشتباك مع موازين القوى القائمة في الدّاخل ومع الخارج. اشتركا في الأحلام والطّموحات المفرطة، وتباينا في تقدير اللّحظة المؤاتية والحظّ الاستثنائيّ».



ساعة لم تأتِ

وَحْدَها المفاجأة - هي القدر عند جان عبيد - يسعها قلب المواقع واستبدال الأبطال وتَعاقُب الفصول. غير المَعْنيّ أو الطّرف في ما تحضَّر عشيّة الوصول إلى اتّفاق الطّائف وغداته، مُكتفياً بِدَور المُتفرّج والمراقب، تُحيلُه فجأةً الصّدمة والفاجعة على أوّل مُرَشّحي خلافة رينيه معوّض.


في حضور زائرَيْن لبنانيَّيْن هما محمود طبّو وتوفيق سلطان، خابر عبد الحليم خدّام من منزله في دمشق، رفيق الحريري في برن، في خلال زيارته صديقه السّفير اللّبنانيّ هناك جوني عبده. أحصى الزّائران عدد المكالمات المتتالية. 13 مخابرة إحداها كانت الأكثر لفتاً للانتباه في هذا التّوقيت بالذّات.


قال لرفيق الحريري: «ابحَث عن جان عبيد. هو في باريس. ائتِ به على عجل في طائرتك فوراً إلى الشّام». من ثمّ الْتَفت نائب الرّئيس السّوريّ إلى زائريه، قائلاً: «ماذا إذا زعل النّوّاب من انتخاب رئيس ليس من صفوفهم؟».


اِتّصل رفيق الحريري بخالد خضر آغا وأخبره بالمكالمة قبل أن يُضيف: «يبدو أنّهم يريدون جان عبيد. هو عندك في باريس. سآتي لاصطحابه».


البطرك وعبيد

حضّ عبيد بطريرك الموارنة مار نصرالله بطرس صفير على زيارة دمشق. «نادى بهذا الطلب في ظلّ الرئيس الأب (حافظ الأسد) ثمّ مع الرئيس الابن (بشار الأسد). لم يتزحزح موقف سيّد بكركي عن رفض الاقتراح». تباعدت المقاربات الوطنية والسياسية العامة بين جان عبيد ورأس الكنيسة المارونية في أكثر من محطّة، مثل «مقاطعة الانتخابات النيابية عام 1992، ومن بعد أكثر من مرّة: عام 2000 على بيان مجلس الأساقفة الموارنة برئاسة صفير في 20 أيلول، عندما حضّ البطريرك على خروج «القوات السورية» من لبنان لفقدانها مغزى بقائها بعد الجلاء الإسرائيلي»، ثمّ السنة التالية في 30 نيسان 2001 رعايته نشوء «لقاء قرنة شهوان».


لكن «مرّة واحدة فقط شابت علاقتهما قطيعة تامّة طوال أشهر ثلاثة ما بين 2 نيسان 1994 و10 تمّوز. استاء نصرالله صفير من تصريح لجان عبيد ردّاً على عظة الفصح في الأول من نيسان عامذاك، مندداً بالسلطات السياسية والتواءات إجراءاتها وانحيازها الناجم عن تداعيات انفجار كنيسة سيدة النجاة في زوق مكايل وحلّ حزب «القوات اللبنانية»... غداة عظة الفصح، حضر جان عبيد إلى بكركي ودار بينه وبين سيّدها حوار متوتّر انتهى بإدلائه بتصريح على باب الصرح منتقداً بقسوة غير مألوف صدورها عن نائب ماروني ضدّ رأس كنيسته. غضب البطريرك وأوعز إلى معاونيه في عدم تحديد موعد لاستقباله بعد ذلك، إلى أن سوّي الخلاف بينهما». 



غلاف الكتاب