جولة على سجالات الأسبوع السياسيّة في مواقع التواصل الاجتماعيّ شملت العناوين التالية: ""هالمرّة ما دخلنا"... ولكن"، "حرب من نار و "هاشتاغات"، "15 حزيران: اختبار السيادة الفاشل"، "إعادة ترتيب المشهد الدبلوماسي".
"هالمرّة ما دخلنا"... ولكن
للمرّة الأولى منذ وقت طويل، يشهد لبنان وفاقًا غير مسبوق على أمر واحد: الاحتفال تحت الصواريخ، فيما المنطقة على حافة الانفجار وطبول الحرب الإقليميّة تُقرع مع اشتداد المواجهة المباشرة بين إيران وإسرائيل.
ففي مشهد سوريالي لا يشبه إلا نفسه، تحوّلت الأجواء اللبنانية خلال المساء، إلى مسرح عبثي من الطراز الرفيع: الصواريخ الإيرانية تعبر السماء باتجاه إسرائيل، وعلى الأرض، من بيروت إلى المتن وكسروان كان اللبنانيون يرقصون، يتبادلون الأنخاب، ويوثّقون اللحظة بهواتفهم كما لو أنّ الحرب مجرّد عرض ضوئي عابر. وعلى شاطئ صور الجنوبي، استمرّ السهر ولم تُربك الصواريخ روّاد البحر، بل أضاءت سماءهم كأنها جزء من المشهد.
المقتطفات المصوّرة من أجواء السهر اللبنانية غزت العالم الافتراضي بشكل واسع، متجاوزةً المنصّات المحلّية إلى العربية وحتى العالمية، ليختصر أحد الفيديوات الذي سرعان ما أصبح "viral" على منصات التواصل، المفارقة كلّها: موسيقي يعزف على آلة الساكسوفون خلال إحدى السهرات فوق سطح مبنى، وفي الخلفية تمرّ الصواريخ، لا أحد يركض أو يختبئ، فقط الموسيقى والرقص والسماء الملتهبة.
هكذا بدا وكأن اللبنانيين قرّروا مواجهة العبث بعبث مماثل، وأن يصنعوا من اللامنطق نمط حياة.
لكنّ الأمور لم تتوقّف عند هذا الحد، بل تسابقت التعليقات لتؤكد عزيمة لا تلين على استقبال صيف مزدحم، في ظل واقع تتداخل فيه المتعة مع مرارة الأحداث: "التذكير لا يزال قائمًا بأن الصيف بلبنان ما بينترك"، وأيضًا: "المهرجانات بانتظار الجميع اعتبارًا من تموز"، و "إذا مش عم تفكّر تصيّف بلبنان، راجع حسابك. الطبيعة، الأكل، الموسيقى، والسهر ما بينملّ منن".
وفي هذا السياق، انتشر فيديو للنائبة ستريدا جعجع وهي تنضح موقع إقامة "مهرجانات الأرز" بالمياه المقدّسة، في رسالة بدت وكأنها إعلان صيف مضاد لصوت الحرب.
لكن في المقلب الآخر، ورغم كل محاولات اللبنانيين ضخّ جرعات من الأمل، بدأت المخاوف تتسلّل بقوة إلى الواجهة. فقد حذّر رئيس "اتحاد النقابات السياحية" من أنّ الحرب تهدّد الموسم السياحي وتنذر بكارثة اقتصادية، مؤكدًا أنّ "لبنان ينتظر أعجوبة". وفي السياق نفسه، أعلن نقيب "مكاتب السفر والسياحة" أنّ أكثر من 60 % من الحجوزات أُلغيت، متوقِّعًا غياباً شبه كامل للسياح العرب والخليجيين هذا الصيف.
وفي ظل هذه التطوّرات، أعاد ناشطون عبر مواقع التواصل التذكير بما كان يتكرّر خلال مواسم الاصطياف السابقة، حين كان "حزب الله" يزجّ بالبلاد في مغامرات غير محسوبة، كان آخرها "حرب الإسناد" العام الماضي التي كبّدت لبنان خسائر فادحة وأجهزت على موسمه السياحي.

حرب من نار و "هاشتاغات"
سرعان ما تحوّلت الحرب التي اندلعت بين إسرائيل وإيران، من اشتباك عسكري عابر للحدود إلى مواجهة شاملة في العالم الافتراضي الذي شهد اشتعالًا من نوعٍ آخر: حرب "هاشتاغات"، بدا فيها أنّ كلّ طرف يفتح جبهة إلكترونية خاصة به، بالسرديّة والرمز والشعار. اجتاح وسم "#الأسد_الصاعد" مواقع التواصل فور إعلان إسرائيل عن عمليّتها العسكرية التي حملت الاسم نفسه. وأثار العنوان جدلًا بسبب رمزيّته المرتبطة بإيران الشاه، حيث كان الأسد رمزًا مركزيًا في شعار الدولة، كما أعاد البعض ربطه برموز تَوْراتية، ما فتح باب التأويلات السياسية والتعليقات.
وأمام الهجوم الإسرائيلي المطبق في اليوم الأول من المعركة، أطلق خصوم المحور الإيراني في الدول العربية ولبنان "هاشتاغات" لم تخلُ من التهكّم، منها: "#نمر_من_ورق"، و "#طهران_تحت_القصف". وحتى العبارة التي لطالما استخدمها "حزب الله" في وصف إسرائيل تحوّلت إلى "هاشتاغ" مع اتجاه مغاير: "#أوهن_من_بيت_العنكبوت"، في إشارة هذه المرّة إلى إيران.
إنما ومع بدء الردّ الإيراني وسقوط أول الصواريخ على تل أبيب، انقلب المشهد رأسًا على عقب ونشطت "هاشتاغات" موازية تحمل رسائل مضادة وأبرزها: "#تل_أبيب_تحترق، #الوعد_الصادق3، #الكيان_الصهيوني_إلى_زوال، #الكيان_المؤقت، #إسرائيل_أوهن_من_بيت_العنكبوت"، وأيضاً: "#إيران_بحمى_الرحمن". جميعها بدت "هاشتاغات" تعبويّة تسلّحت بها منصّات المحور لتثبيت معادلة "الردّ والجهوزية".
ثم جاءت نقطة التقاطع الكبرى من خلال وسمَين تصدّرا التايملاين العالمي، لا العربي فحسب، وهما: "#الحرب_العالمية_الثالثة" و "IsraelIranWar#"، في إشارة إلى مخاوف جدّية من أن تكون هذه الحرب الشرارة لحرب أوسع وأشدّ فتكًا.
في المقابل، وسط كل هذا الضجيج، خرج من لبنان صوتٌ ثالث يرفض أن يكون طرفًا في أيّ من المعسكرَين من خلال وسم "#لبنان_لا_يريد_الحرب"، الذي أعاد التذكير بموقف شعبي مفاده أنّ اللبنانيين لا يريدون دفع أثمان المغامرات، ولا يرغبون بتحويل أرضهم إلى صندوق بريد إقليمي.

15 حزيران: اختبار السيادة الفاشل
مع احتدام المواجهة بين إيران وإسرائيل، عاد الداخل اللبناني إلى مربّعه الأخطر: معضلة السلاح غير الشرعي.
فالأحد 15 حزيران، كان من المفترض أن يشكّل محطة مفصلية عبر انطلاق خطة سحب السلاح من المخيّمات الفلسطينية، بدءًا بمخيّمات العاصمة الثلاثة: "شاتيلا، برج البراجنة، ومار الياس". لكن لا خطة أُطلقت، ولا بندقية سُلّمت، ولا حتى موقف رسمي يشرح أسباب التراجع أو يحدّد مصير المبادرة.
وفي جلسة مجلس الوزراء يوم الاثنين، قيل إن الرئيس نواف سلام طلب من الرئيس الفلسطيني محمود عباس "وضع المقرّرات موضع التنفيذ"، لكن بلا جدول زمني، وبلا ضمانات. والنتيجة: لا شيء تغيّر.
انفجر الملف مجددًا، وأشعل سجالًا واسعًا على مواقع التواصل، حيث توالت التعليقات الغاضبة، من بينها: "بـ 15 حزيران كان المفروض نبلّش بسحب سلاح المخيمات"، و "نزع السلاح الفلسطيني يجب أن يتم بالتوازي مع نزع سلاح حزب الله"، وأيضاً: "وين الخطة؟ وين الجدية؟ أو الحرب الإقليمية حجّة جديدة للتخاذل؟".
أما بعض الناشطين فاعتمدوا التهكّم وكتب أحدهم: "في Brunch بقصر بعبدا؟ لأن ع أساس يبلّشوا سحب سلاح المخيّمات".
بالتالي، ما كان يُفترض أن يكون خطوة أولى نحو فرض السيادة، تحوّل إلى تراجع جديد، وهذه المرّة تحت ذريعة التصعيد الإقليمي.

إعادة ترتيب المشهد الدبلوماسي
بعد ثماني سنوات من التعثر، أُقرّت أخيرًا التشكيلات الدبلوماسية، وبرز اسم واحد كعنوان للمرحلة: وزير الخارجية يوسف رجي، نجم التعيينات بلا منازع. فمن إعداد المسوّدة في شهرين فقط، إلى كبح البازارات السياسية، إلى اعتماد الكفاءة وإنصاف موظفي الملاك قاد رجّي ما وصفه البعض بـ "ثورة هادئة" داخل الوزارة، في خطوة اعتُبرت بمثابة بداية لإعادة ترتيب المشهد الدبلوماسي.
التعليقات الإيجابية لم تتأخر، وسُجّلت مواقف لافتة: "صدرت التشكيلات الدبلوماسية بعد طول انتظار"، وأيضًا: "يُسجّل للوزير يوسف رجّي: تطبيق معيار الكفاءة والنزاهة والإنتاجية، تقليص التعيينات من خارج الملاك من 14 إلى 6، إنصاف موظفي الملاك لأول مرّة وإعادة 47 سفيرًا تجاوزوا المدة القانونية".
وبدا لافتًا تعليق إحدى المواطنات المقيمة في قبرص حول تعيين سفيرة جديدة، حيث كتبت: "ربما الآن إن أرسلنا لهم رسالة عبر البريد الإلكتروني سيجيبون".
لكنّ مشهد الاحتفال لم يكتمل، فقد برز امتعاض واضح في أوساط ناشطي "التيار الوطني الحر"، لا سيّما بعد تعيين فرح برّي، ابنة رئيس مجلس النواب نبيه برّي والسفيرة السابقة في قطر، سفيرةً في لندن. خطوة اعتبرها كثيرون انتكاسة في مسار كان يُفترض أن يتّسم بالتوازن والشفافية.
ووجد وزير الخارجية، المحسوب على "القوات اللبنانية"، نفسه في مرمى انتقادات حادة، إذ تداول ناشطو "التيار" عبارة "بنت نبيه برّي" في كافة منشوراتهم، محاولين التصويب عليه سياسيًا والتشكيك في خلفيّات التعيين. في المقابل، سارع مناصرو "القوات" إلى التخفيف من حدّة الاعتراض، مؤكّدين أن فرح بري تنتمي إلى ملاك السلك الدبلوماسي، وتُعرف بكفاءتها.
