ماريانا الخوري

في عهد الحريّات لا لتخوين الإعلام

4 دقائق للقراءة
الإعلامي وليد عبّود

أطلّ الإعلامي وليد عبود، المعروف بأسلوبه الهادئ وتحليله السياسي، في برنامج يُعرض على قناة "هلا أرابيا"، وتناول في مقدّمته قضية محورية تتعلق بمحور "الممانعة" والانقسام اللبناني حوله، ليجد نفسه أمام هجوم شرس لمجرّد أنه كتب مقدّمة برنامج تُحاكي انقسامًا واقعيًا في البلاد. ما طرحه عبود لم يكن خطابًا عدائيًا أو تحريضيًا، بل كان توصيفًا دقيقًا لواقع موجود.


نُشر مقطع مُجتزأ من كلام عبود، نُزع من سياقه الكامل. الاجتزاء هنا ليس مجرّد خطأ غير مقصود، بل يبدو جزءًا من سلوك منهجي يُستخدم منذ سنوات في لبنان، يجري من خلاله تضليل الرأي العام، وتحويل أي جملة إلى أداة اغتيال معنوي. والنتيجة؟ "غضب شعبي" مصطنع، و "هجوم جماعي" يُعطّل النقاش الحرّ، ويحوّل كل مساحة إعلامية إلى حقل ألغام.


الحقيقة تهمة؟

ولنفترض أنّ ما قاله عبود هو تمامًا ما تمّ تداوله. لنفترض أنه قالها كما هي: "حلّوا عنّا". فماذا في الأمر؟ أليس هذا ما يردّده معظم اللبنانيين في مجالسهم وأحاديثهم اليومية؟ نعم، نريد أن يخرج السلاح غير الشرعي من شوارعنا، أن تتوقف إيران عن التحكّم بقرارنا، وأن يتوقّف "حزب اللّه" عن اختطاف الدولة باسم "المقاومة". فأين الجريمة؟ أين التحريض؟ وأين الفتنة؟ هل أصبح "الحلم" بدولة حقيقية تُدار من بيروت لا من طهران، يُعتبر تهديدًا للسلم الأهلي؟ فإذا كان قول الحقيقة تهمة، ينبغي على كلّ لبناني حرّ أن يكون متّهمًا.


هبوط النقاش

بعد اجتزاء المقطع، دخلت "جيوش إلكترونيّة" منظّمة على الخط، تُطلق العنان لحملات تخوين ممنهجة ضدّ وليد عبّود. بعض المنشورات اتهمته بالعمالة، والبعض الآخر بالصهيونية، واتُّهِم بأنه "يقبض" من جهات خارجية. من دون أي دليل، أصبح الرجل متّهمًا بجرائم كبرى، لا لشيء، فقط لأنه وصّف واقعًا لبنانيًا مرّاً يعلمه الجميع، ويخشى كثيرون قوله بصوت عالٍ.


الفضيحة الحقيقية ليست في المقدّمة، بل في مستوى "الهبوط" الذي بلغته ثقافة النقاش في لبنان: من يختلف معنا، نخوّنه. من لا يُشبهنا، نُسقطه. من لا يُردّد ما نريد، نكسر ميكروفونه. لأنهم ببساطة اعتادوا أن تُحاصرهم الخيانة من داخل صفوفهم، ففقدوا الثقة ببيئتهم وأصبحوا لا يثقون بأحد خارجها.


هذه ليست المرة الأولى التي يتحوّل فيها نقد سياسي أو توصيف واقعي إلى تهمة خيانة. فما أن يُنتقد حزب سياسي ينتمي إلى طائفة معينة، حتى تتحول المسألة فورًا إلى خطاب دفاعي طائفي. فجأة يُقال إن المتكلّم "يُحرّض على الشيعة"، كما قيل في حالة عبّود. كفّوا عن هذه المعادلة البائسة: ليس كل من انتقد "حزب الله" هو عدوّ للطائفة الشيعية، وليس كل من عبّر عن رأي مخالف يُضمر كراهية للطائفة أو يسعى إلى تهميشها. وكأنّ "حزب الله" بات هو الطائفة، وصار نقده جريمة بحقّ جماعة بأكملها.


طائفة أوسع من حزب

الطائفة الشيعية في لبنان أوسع من حزب، وأعمق من خطاب أحادي. هم بيئة غنيّة بالتعدد والاختلاف، فيها المؤيّد والمعارض، وفيها من يريد دولة تحترم القانون لا منطق السلاح. من يحصر الشيعة في حزب واحد هو من يُهين الطائفة، لا من يوجّه نقدًا سياسيًا مشروعًا.


يتّهمون الإعلام بإشعال الفتنة، لكن الحقيقة أنّ الفتنة الحقيقية هي في إصرار البعض على اختراع عدوّ داخلي عند كل منعطف. يتناسون العدوّ الحقيقي عند الحدود، ويتفرّغون لتكريس عدوّ وهمي في الداخل" إعلامي، كاتب، أو حتى ناشط. وكأنّ القضية ليست في الاحتلال، بل في قلم كتب أو صوت ارتفع. فليتوقّفوا عن مطاردة الأشباح في الداخل، وليلتفتوا أخيرًا إلى العدو الذي لا يختبئ، بل يضرب في العلن.


لسنا في زمن الوصاية ولا في عهود كمّ الأفواه. نحن في عهد الرئيس جوزاف عون، الذي كرّس في خطاب قسمه التزامًا واضحًا بحماية الحريات العامة، وعلى رأسها حرّية التعبير. قال بوضوح إنّ بناء الوطن لا يكون من دون احترام الكلمة، ولا استقرار من دون تنوّع الرأي. فإن لم يكن في هذا البلد متّسع لصوت مثل صوت وليد عبّود، فلمن يُبقي لبنان مساحته الحرة؟


رفضًا لاجتزاء الحقيقة والتضليل والترهيب، يعقد الساعة 12:00 ظهر اليوم مؤتمر صحافي في فندق "لو غبريال" - الأشرفية، بحضور وزير الإعلام بول مرقص وإعلاميّين وصحافيّين وأصحاب رأي.