غريبٌ أنت يا لبنان... غريبٌ هذا الذي نحبّ ونكاد نعبد بعد اللّه. والغرابة في شعبه، وكي لا نعمّم في جزءٍ كبير من "شعوبه". غريبٌ كيف نتغنّى بالحريّات "علّة وجوده المقدسة" وننحرها من الوريد إلى الوريد ونغتالها قبل صياح الديك. غريبٌ كيف نتباهى بحضارة الحرف وندوسها بأرجلنا وكأنها عاهرة خارجة من أسواق الدعارة!
الزميل وليد عبّود ليس بحاجة إلى تعريف أو إلى من يدافع عنه، فمسيرته النضالية عبر سلاح الكلمة أبهى من أحقادهم وصغائرهم وصغرهم، ومواقفه الوطنية والإنسانية أجمل وأمضى من ارتهاناتهم وسلاحهم وعمالتهم وجرائمهم. إنه علم من أعلام الإعلام، قدوة في النزاهة وواحة حرّيات نلتقي نحن أهل الصحافة على أرضها، نناضل من أجل وطن الأرز وكرامة الإنسان وسيادة القرار ووحدة السلاح. إنه وليد عبود "حاف" بدون رتوش ومساحيق ومكياج وبوتوكس. الجرأة تعرفه، المنابر ترفع له القبّعة، الشاشات تنصفه، الكرامة تصادقه. والكلمة، آه منها على لسانه وعلى قلمه، جميلة من جميلات الزمان جذابة من جاذبية الأدبيّات.
راية من رايات القضية، لا تخضع، لا تنحني، لا تسكع، ولا تركع، ولا تساير في بازار البيع والشراء.
من على محطة "هلا" التلفزيونية وفي برنامجه "يا أبيض يا أسود" استقبل وليد ضيفين نقيضين تماشيًا مع فلسفة الديمقراطية، وكانت له مقدّمة صريحة، صادقة، وقوية من قلب جريح ومن آهات مواطن، وجاءت بعنوان "حلّوا عنا".
وكعادته هو المعروف بأسلوب بعيد من الشتائم أو الانحدار إلى خنادق السفاهة، ساوى بين فريقَي الوطن واضعًا النقاط على الحروف بين إيران ومحورها وحزبها، وبين السياديين ومواقفهم.
وخلص وليد إلى القول: "حلّوا عنا ودعونا نبني وطناً لا تؤمنون به ولا تؤتمنون عليه. وإذا كان لا بدّ لأحد أن يرحل فارحلوا أنتم عنّا". وعلى الأثر انفجر ما يشبه الثورة على مواقع التواصل الاجتماعي تجريحًا، تهديداً، وعيدًا، قدحًا وذمًّا. ولم يكتف الثائرون الغارقون بذلك الوهم من فريق تاريخه معروف، بل كادوا يتحرّكون على الأرض فلجأت الدولة إلى إرسال تعزيزات إلى أمام "تلفزيون لبنان" احتياطًا، وجرت اتصالات على أرفع المستويات... كل هذا لماذا؟ لأن إعلاميًّا جريئًا قال كلمة حق. لأنّ وليد عبّود كان وليد عبّود الذي لا يشبه أحدًا، لا يتزلّم لأحد، لا ينصاع إلى تهديد، لا يخاف من وعيد. لقد نسيتم أو تناسيتم أنّ هذا القلم وهذا الجريء وهذه السيرة النضالية، مندور من أرزة ومصنوع من قيم ومجبول بكرامة.
وليسمح لي زميلي الأحبّ أن أضيف على رائعتك "حلّوا عنّا"، جملة واحدة من باب الوفاء لا من باب الدفاع عنك لأقول: "حلّوا عنّا... نعم... لكن أيضًا وأيضًا حلّوا عن ضهر وليد عبّود لأنه أكبر منكم وأشرف منكم... والسلام لمن يريد أن يعرف أنّ في هذا الوطن مارداً إعلاميًّا لا يلين، اسمه وليد عبّود".
*رئيس تحرير "النهار" الأوسترالية