في زمنٍ أصبح فيه الحلم بوظيفة مستقرّة ضربًا من ضروب الكوميديا السوداء، والحلم بالاستقرار من أي نوع كان مغامرة تمويليّة محفوفة بالمخاطر، والحلم بالسفر مرهونًا بمخزونات "تحت البلاطة" من الدولار، اخترتُ أن أحلم حلمًا متواضعًا، بسيطًا، وواقعيًّا (نسبيًّا): أن أشتري "بنكًا".
لا تفرحوا ولا تضحكوا عليّ في سرّكم، أنا لا أقصد "بنكًا" بالمفهوم المشؤوم. ذلك المكان الذي يُخفي خلف لافتته المضيئة حفرةً سوداء امتصّت أحلام الناس، وأعادتها إليهم على شكل "لولار" ودموع، وما شابه. أنا لا أريد "بنكاً" يُصدر بطاقات ائتمان، بل "بنكاً" أضع عليه بطّة ماء وكوب نسكافيه! لا أريد "بنكاً" يستقبل تحويلات مالية، بل "بنكاً" أستقبل عليه غروب الشمس في "تيراس" بيتنا.
نعم، نعم... حلمي أن أشتري "بنكاً" خشبيّاً، له أربع أرجل، لا أربعة فروع. "بنكٌ" لا يطلب رقمًا سريًّا، بل يكتفي بوزني الصافي، وبضعة تنهّدات. نعم، إنني أحلم بـ "بنك" يجلس تحته الحديد المزخرف لا الهيكل المالي المتداعي. "بنك" له ظهر، لا مدير فرع، وله ظلّ، لا أموال مودعين معلّقة.
في بلدٍ انهارت فيه الأحلام، أحلم أنا بـ "بنكٍ" لا ينهار، لا يحتجزني، بل أحتجزه أنا في "تيراس" بيتنا. فدعوني أحلم، ما دمت لا أملك إلّا الحلم بـ "بنك" للجلوس فقط.
من يوسف إلى رياض
ذات يوم من أيام ما قبل النكسة (نفسيًّا وماليًّا)، كان هناك شابّ فلسطينيّ جاء إلى لبنان في العام 1948، اسمه يوسف بَيْدس. في الخمسينات، دخل عالم المصارف كمن يدخل حفلة تنكريّة من دون دعوة، لبس بدلة، ابتسم، فتح مصرفًا وصار ملكًا. أسّس "بنك إنترا"، لا ليقرض الناس، بل ليشتري نصف البلد.
"طيران الشرق الأوسط"؟ اشتراه.
"الريجي"؟ أيضًا، ومع نعنع ومن دون جمارك.
"كازينو لبنان"؟ دخل من الباب وخرج من السقف.
حتّى بيروت؟ يقولون إنه كان ينوي شراءها.
وبين ليلة وضحاها، صار "إنترا" أكبر "بنك" في لبنان، وأخطر حلم رأسمالي في المشرق، لدرجة أنّ الحسد اتّحد مع سوء النية وأنجبا: الانهيار.
في العام 1966، سقط "بنك إنترا" كما تسقط ورقة توت عن حياء مصرفي. الودائع تبخّرت، الدولة "تنظر بالأمر"، و "المصرف المركزي" حينها، كان ربّما طفلًا يرتدي حفاضًا ماليًّا ويعاني من مغص في الميزانية.
يوسف بَيدس العبقري المهزوم، لملم كرامته وهرب إلى سويسرا، حيث تُوفّي بـ "أزمة قلبيّة" رسميًّا، وبـ "أزمة ثقة" بشكل غير رسميّ. وهكذا دخل التاريخ كبطل أول "قصة حبّ" بين اللبنانيين والخيبة من المصارف.
دخلنا الألفية الثالثة وكانوا يقولون "المصارف قويّة"، حتى اكتشفنا أنّها قويّة علينا فقط. في العام 2019، عشنا النسخة المتطوّرة من فيلم "إنترا"، لكن مع نجوم جدد ومخرج أقلّ موهبة. "البنوك" صارت فخاخًا رسمية، والهندسات المالية مثل طُعوم ملغومة. تدخل بدولار، وتخرج بـ "لولار" ونَفَس مقطوع. وعدونا بفوائد 15 % وأخذوا منا 100 % من الحلم، أقنعونا أنّ السيادة تبدأ من "مصرف لبنان"، وتبيّن أنها تنتهي عند باب آلة "ATM" لا تسحب سوى الحسرات، ولا نتمنى لها سوى الركلات!
منذ تشرين الأول 2019، تحوّلت "البنوك" إلى أفران فارغة. الشكل فرن، والمضمون ولا رغيف. سحب الدولار صار أقرب إلى عملية سرّية من فيلم "جيمس بوند"، لكنّ الفرق أنّ بوند معه سلاح، والمودع معه دفتر شيكات محجوز، وهكذا وُلد الـ "لولار". عملة مشوّهة، نصفها "دولار" ونصفها "يا مواطن أنت حـ..ر".
جمال الخشب
أما أنا فبقي لي حلم ذاك "البنك" الخشبي، ما أجمله ويا لأناقة حديد مَسانده وأرجله المزخرفة، كأنّه سطرٌ من الشعر محفوظ في ذاكرة الحارات. خشبه ليس عاديًّا، بل من النوع الذي عاش مواسم الشتاء وصيف انقطاعات المياه، وظلّ صامدًا لا يصدأ، لا يُجمّد، ولا يحتاج "إعادة هيكلة". جلوسي عليه سيُشعرني أنني ما زلت أنتمي إلى شيءٍ بسيطٍ، واضح، لا يخفي نواياه خلف توقيعات قانونية أو لوائح مكتوبة بخط الشياطين. "البنك" الخشبي يقول لي: "اجلسي، ولا تقلقي، فأنا لا أحتجز راحتك كما يحتجزون ودائعك".
تأمّلوا معي ذاك الحديد المزخرف تحت مقعد خشبي بسيط. الزخارف ليست عشوائية، بل حفرٌ صامتٌ لذاكرة حيّة، تروي حكايات من جلسوا عليه من: كبار السن، الطلبة، العشّاق، وحتى المتأمّلين في خراب البلد. ذاك المزج بين الخشب والحديد هو تحالفٌ نزيه، أقوى من أيّ تحالف سياسي لبناني. الخشب يُعطي الدّفء، والحديد يمنح الثبات... والنتيجة؟ "بنكٌ" للناس لا على الناس.
أما "بنوك" لبنان؟ فخليط من الأسمنت المسلّح والطمع المسلّح. لا زخرفة، لا دفء، فقط واجهات عصرية تُخفي جشعًا كلاسيكيًّا. من الداخل، تشبه الأقفاص. الجالس لا يستريح، بل ينتظر، يترقّب، ويشكّ.
"البنك الخشبيّ" لا يطلب "أوراقًا ثبوتية" للجلوس عليه، لا يميّز بين مواطن ومودع ممتاز. هو ديمقراطي في طبيعته، نبيل في بساطته، حقيقيّ في حضوره. بينما في المصرف، حتى الجلوس ينتظر إذنًا، وحتى الكرسي مصنوع من جلد مزيّف، مثل وعود المدير.
الخشب لا يخون
نعم، "البنك" الخشبيّ رغم تواضعه لا يخون. يجلس عليه الناس يوميًّا، يشكون له تعبهم، وقلّة حيلتهم، ثم ينهضون ويمضون، و "البنك" باقٍ في مكانه، لا ينهار، لا يهاجر، لا يرفض الجلوس إلّا إن تهالك من كثرة الحبّ. هو ليس مؤسّسة، بل حالة وجدانية، يُشبه البيت القديم ، الغطاء في ليلة برد، تضع عليه رأسك دون أن تخشى أن يُسجّل شيئًا ضدّك. أما المصرف اللبناني؟
فهو مثل ذلك القرد الذي لا يسمع، لا يفهم، وإلى ذلك لا يتذكّر حتى وديعتك. يتعامل مع الإنسان كرقم حساب، لا كقيمة، ومع الحلم كفائدة تُدفع لاحقًا، ثم تُبتلع. "البنك" الخشبيّ لا يحتال، لا يتحايل، ولا يطلب منك توقيعًا على تعهّد قبل أن تُريح ظهرك عليه. لا يسرق تعبك، بل يُخفّف عنك. كم هو طيّب!
حين يصبح الحلم مقعدًا
وهكذا، بينما يتسابق الناس على شراء العقارات، والذهب، والعملات الرقمية، ويغرقون في دهاليز التحليل المالي والمضاربة، أنا لا أريد سوى "بنك" أجلس عليه. "بنك" لا يسألني عن "مصدر" أموالي القليلة، لأنّ مصدرها هو التعب. لا يطلب منّي "توقيعًا ثلاثيّ النسخ"، ولا يُجبرني على تحميل تطبيق معطّل، "بنكٌ" لا يُحوّل أحلامي إلى أوهام، ولا يجمّد ضلوعي مع الوديعة.
في زمنٍ انهارت فيه المعاني كما انهارت الليرة، بات "البنك" الخشبيّ رمزًا للثبات والصدق، ورمزاً لـ "اجلسي واهدأي، فأحد لن يستدعي الشرطة لأنك سحبت قنينة ماء من محفظتك".
أما المصارف؟ فهي أبراج شاهقة تسكنها كائنات بلا ذاكرة، جميلة من الخارج، خاوية من الداخل، لذلك سأضع "البنك" الخشبي على "تيراس" بيتنا، وأسمّيه: "فرع السّكينة. لا يتعامل بالنقود، بل بالراحة"، وربّما "بالبسكويت"... من يدري؟ ففي بلادٍ اختنقت فيها الأرواح تحت ثقل الدين والفائدة المركّبة، يصبح الجلوس على "بنك خشبي" مع "كدشة راحة وبسكويت" أصدق من كل نظام مصرفيّ، وأعدل من كلّ سياسة نقديّة. فَلَكُم حساباتكم، ولي هذا المقعد الذي سأشتريه يومًا ما، ولي السلام ولكم أيضًا... ولنا كلّنا الحلم به.


