لا عفويّة في عالم الإعلام، وبالأخصّ عناوين المجلّات الكبرى، لا تُكتب من باب المصادفة. مجلّة "تايم" الأسبوعية الأميركية، العريقة في قراءتها السياسية للعالم، أثارت موجة من التساؤلات بعد نشرها قبل أيام قليلة، صورة للمرشد الإيراني الأعلى علي خامنئي على غلافها، وأرفقت الصورة الممزّقة بعنوان: The New Middle East، أو "الشرق الأوسط الجديد". قد يبدو العنوان عامًّا للوهلة الأولى، لكنّ المتابعين الدقيقين لسياقات التاريخ الإعلامي للمجلّة، لا يمكنهم تجاهل "النمط" المتكرّر.
الإيحاء بسقوط صدام
ففي 10 آذار 2003، نشرت "تايم" صورة مماثلة للرئيس العراقي الأسبق الراحل صدام حسين على غلافها، مرفقة بعنوان Life After Saddam أو "الحياة بعد صدّام". حينها لم يكن أحد يدري أنّ الغزو الأميركي للعراق سيبدأ بعد 9 أيام فقط، وينتهي بإسقاط النظام. فأطلقت الولايات المتحدة عملية غزو العراق تحت ذريعة امتلاك نظام صدّام حسين أسلحة دمار شامل. واستمرّت العمليات العسكرية لمدّة 26 يومًا، وانتهت بسقوط بغداد وإعلان نهاية حكم صدّام حسين، لتبدأ بعدها مرحلة الاحتلال التي غيّرت وجه العراق والمنطقة بأسرها.

إشارات متكرّرة للقذافي
وفي 5 أيلول 2011، تصدّرت صورة الزعيم الليبي الراحل معمّر القذافي الغلاف، مع عنوان: The World After Gaddafi أو "العالم بعد القذافي". لم تمضِ سوى 45 يومًا حتى قُتل القذافي في سرت، مسقط رأسه، بعد أشهر ممّا عُرف بـ "الربيع العربي".

أخذ العِبَر
واليوم، في توقيت بالغ الحساسية، نشرت "تايم" صورة خامنئي على غلافها بأسلوب بصري مريب: صورة شبه ممزّقة. لم يأتِ العنوان هذه المرة على شكل "الحياة بعد خامنئي"، لكنّه حمل إشارات كبرى: the new middle east أو "الشرق الأوسط الجديد"، في تلميح إلى إعادة رسم المعادلة الإقليمية.

واللافت في أحاديث رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو كثرة استخدامه مصطلح "الشرق الأوسط الجديد"، ولا سيّما في سياق حديثه عن الحروب المتعدّدة التي تخوضها إسرائيل، سواء في قطاع غزة، أو مع "حزب اللّه"، أو حتى ضدّ إيران.
هذا التكرار لمصطلح "الشرق الأوسط الجديد" يتقاطع بوضوح مع العنوان الذي اختارته "تايم" لغلافها الأخير، ما يفتح الباب أمام تساؤلات إضافية حول الرسائل المبطنة التي قد تحملها المجلّة من خلال هذا العنوان.
سياسة ترامب التضليلية
ما يعزّز هذه الفرضية هو ما بدأ يُتداول حول محاولة اغتيال محتملة لخامنئي. ففي تصريح غير مألوف من حيث وضوحه وخطورته، كتب الرئيس الأميركي دونالد ترامب عبر منصة "تروث سوشال"، مطمئنًا: "نعرف بالتحديد أين يختبئ المدعوّ "المرشد الأعلى". هو هدف سهل، لكنه في مأمن هناك. لن نقضي عليه، على الأقلّ ليس في الوقت الحالي".
ولمّح ترامب إلى أن الضربة الإسرائيلية ضد إيران "احتمال قوي"، مستبعدًا حدوثها فورًا. لكنّه أقرّ لاحقًا بأنه كان يعلم بموعدها قبل التنفيذ فجر اليوم التالي. يُتقن الرئيس الأميركي فنّ "الطمأنة". فقد أوحى لإيران باستعداده للعودة إلى المفاوضات، ثمّ فاجأها بهجوم عسكري مباشر، حيث أعلن أن الولايات المتحدة نفّذت هجومًا "ناجحًا للغاية" على مواقع نووية إيرانية في فوردو ونطنز وأصفهان، بعدما كان قد أرجأ قرار التدخّل أسبوعين، فطغت مؤشرات التهدئة وخفّت التوقّعات بالتصعيد.
ففي ظلّ تصاعد المواجهات العسكرية بين إسرائيل وإيران، يفتح الباب واسعًا أمام تصاعد احتمالات استهداف المرشد، خصوصًا بعدما كلّف خامنئي ثلاثة رجال دين كخلفاء محتملين. فهل غلاف "تايم" هو مجرّد قراءة إعلامية لتغيّرات الشرق الأوسط، أم أن المجلّة تملك مؤشرات تستند إليها كما في السابق، وتستخدم الغلاف كمقدمة لـ "ما بعد خامنئي"؟ وهل أصبحت المجلّة تُجيد التقاط لحظة النهاية قبل أن تُعلن رسميًا، أم أنها ببساطة تصنع توقّعاتها الخاصة اعتمادًا على تحليلها للمشهد السياسي؟ الأسئلة كثيرة، والإجابات رهن التطوّرات. لكن الواضح أن ما يُنشر على غلاف "تايم"، لم يعد يُقرأ كمجرّد خبر...