د. جوسلين البستاني

من قضى على سليماني لا يخشى الغرق

4 دقائق للقراءة
اعتقدت إيران أن بإمكانها التفوّق على ترامب من خلال المُماطلة (رويترز)

بعد أن بدأت الولايات المتحدة ضرباتها داخل إيران، لم يعد الحديث منذ مساء السبت عن "ضربة أميركية" مُجرّد احتمال أو تسريب استخباراتي. هذا التطوّر المِفصلي يُعيد خلط الأوراق في المنطقة، ويُجبر المراقبين على إعادة النظر في كثير من الافتراضات السابقة. لذلك، آن الأوان لقراءة أكثر واقعية لتسلسل الأحداث منذ أن منح الرئيس دونالد ترامب إيران مهلة شهرين للتخلّي عن برنامجها النووي.


بالفعل، أخطأت طهران في حساباتها عندما اعتقدت أن بإمكانها التفوّق على ترامب من خلال سياسة المُماطلة وحافة الهاوية، خلال المفاوضات التي انطلقت في 12 نيسان 2025. لكن استراتيجية المُهل، وتحديدًا مهلة الـ60 يومًا، كشفت حدود مناورات إيران وخداعها التفاوضي.


ثمّ عادت إيران وأساءت مُجدّدًا قراءة الإنذار النهائي الذي أطلقه الرئيس ترامب والمُتعلّق بمهلة الأسبوعين، مُعتبرة إيّاه تردّدًا أو مُجرّد تهديد لفظي، ومفترضة أنه سيتراجع تحت الضغط. لكن المهلة القصيرة أثبتت أنها كانت تمهيدًا لتحرّك عسكري حاسم، كشف مرّة أخرى عن سوء التقدير الاستراتيجي لطهران.


وقد أتى هذا التحرّك خصوصًا بعد فشل الاجتماع الذي عُقد في جنيف في 20 حزيران، وجمع وزراء خارجية كل من بريطانيا وفرنسا وألمانيا، إلى جانب مُنسّقة السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي، مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، في محاولة أخيرة لإحياء المسار الدبلوماسي قبل تفاقم الأزمة. ويُذكر أن المبعوث الأميركي الخاص ستيف ويتكوف، كان على تواصل هاتفي شبه يومي مع عراقجي خلال الأسابيع الأخيرة، في مسعى إلى احتواء الموقف وتجنّب التصعيد.


بالتوازي، كانت وسائل الإعلام الليبرالية الأميركية تُركّز على ما اعتبرته ارتجالًا وتهوّرًا وتردّدًا في نهج ترامب. أمّا خصومه السياسيون، فاستمرّوا في التقليل من شأنه، بل أطلقوا عليه لقب "TACO" اختصارًا لعبارة Trump Always Chickens Out، في إشارة ساخرة تهدف إلى تصويره كشخص سطحي أو هزلي، لا يملك الجرأة على اتخاذ قرارات حاسمة.


لكن هؤلاء تناسوا سجلّه، الذي يُثبت أن خيار التصعيد لم يكن مستبعدًا في يوم من الأيام. فتصريحاته لم تكن مُجرّد استعراض بل جزء من استراتيجية غير تقليدية، تقوم على كسر القواعد حين تفقد فاعليتها، وإعادة ترتيب موازين القوى بما يخدم مصالح بلاده. أسلوبه لا يتّبع القوالب الدبلوماسية المعهودة، لكنه يفرض حقائق جديدة على الأرض.


إضافة إلى ذلك، لطالما كانت السخرية من شخصية الرئيس ترامب مادةً يومية في الإعلام الإيراني، وأحيانًا حتى في بعض دوائر التحليل الغربية. لكن اغتيال قاسم سليماني في كانون الثاني 2020 لم يكن مُجرّد استعراض قوة، بل شكّل لحظة مفصلية في معادلة الردع الأميركية. فقد أثبتت تلك الضربة أن القيادة الأميركية، عندما ترى في الاستهداف ضرورة استراتيجية، لا تتردّد في تنفيذ قرارها، مهما كانت الكلفة أو التعقيدات السياسية.


ومع بدء الضربات الأميركية داخل إيران، تعود هذه الحقيقة لتفرض نفسها من جديد. فمَن قضى على سليماني لا يخشى الغرق، أي أن من نفّذ ضربة دقيقة في قلب بغداد، يُدرك تمامًا أن البحر مليء بالألغام، لكنه لا يتردّد في السباحة فيه إذا استدعت الحاجة.


المُفارقة أن الاستخفاف بالخصم، سواء عبر الخطاب الدعائي أو من خلال تقديرات استراتيجية خاطئة، كان في كثير من الأحيان أحد أسباب الكوارث. إيران، التي اعتبرت الانسحاب الأميركي من الاتفاق النووي مُجرّد مناورة ظرفية، وراهنَت على ضبط النفس الأميركي بعد تجربتَي أفغانستان وأوكرانيا، تجد نفسها اليوم أمام مشهد مُغاير: الولايات المتحدة تعود إلى سياسة الحسم العسكري حين ترى أن الخطوط الحمراء تُختَرق بوقاحة.


لا يعني ذلك أن الحرب الشاملة أصبحت حتميّة، لكن ما هو مؤكّد أن مرحلة ما بعد 21 حزيران 2025 لن تشبه ما قبلها. فالمواجهة باتت واقعية، والخطاب الرغبوي لم يعد كافياً.


وقد يكون الأجدى أن تُعيد طهران النظر في أدوات الردع التي تعتمدها، وفي تموضعها الإقليمي، وفي الخطاب الثوري الذي تجاوزه الزمن. فالرهان على الوكلاء لم يعد بديلًا مجديًا لحماية المنشآت الحساسة، كما أن المبالغة في تصوير الخصم ككائن هزلي أو ضعيف قد تفضي إلى مفاجآت غير محسوبة وربما غير قابلة للاحتواء.


من قضى على سليماني لا يخشى الغرق، ومن بدأ القصف داخل إيران لن يتوقّف قبل بلوغ أهدافه. وهنا يكمن التحدّي الحقيقي: هل ستُحسن طهران قراءة اللحظة بعقلانية، وربما حتى ببراغماتية، أم ستختار الانجراف مُجدّدًا خلف شعارات الثورة البالية؟