لم تكن أميركا يومًا، إلاّ تلك الدولة البراغماتية، التي تبدّل تحالفاتها بلا توقّف، كما يبدّل رئيسها ملابسه. لا يحكمها ولاء، بل مصالح تفرض عليها الابتكار الدائم، في لعبة البقاء.
بناءً على هذه القاعدة الثابتة، تعيش واشنطن بين المتغيّرات. تتلمّس فرصها بين المدّ والجزر، وتختار اللحظة التي يفيض فيها المدّ، لتدفع السفينة في الاتّجاه المعاكس. فالعالم بنظرها لا يُحكم بالولاءات، بل باليد التي تتحكّم بالمجداف!
هكذا فعلت حليفة الشاه بالشاه، عندما غصّت شوارع طهران بالهاتفين بإسقاطه. ظنّ محمد رضا بهلوي أنّ العناق الأميركي يمنح العروش مناعة، وأنّ وهج تحالفه مع واشنطن يقيه عواصف الداخل، وإذا بالريح التي هبّت من تحت الباب في نياوران، تلاقيها نسمة أميركية من فوق الباب... كما في كلّ انقلاب.
فالشاه في آخر أيّامه بات عبئاً، وواشنطن أمام خيارين: الشيوعيون أو الإسلاميون. وبين السيئ والأسوأ، انحازت إلى أصحاب العمامات، على اعتبار أنّهم أقلّ سوءًا من قبضات الحمر. في البراغماتية الأميركيّة الحليف خصم، والخصم فرصة، والدول مسارح تتبدّل فيها الأدوار بلا شفقة. البطل يُغتال عند الحاجة، والكومبارس يُدفع إلى الواجهة بما يخدم المشهد، وفق اللازمة التي تجيد أميركا تكرارها: كلّ قديم له "دفشة"، وكلّ جديد واقع حتمي!
هكذا، حين غادر "البطل" طهران، تعاملت واشنطن مع "الكومبارس"، في تقاطع مصالح غريب ومريب. فأميركا هي "الشيطان الأكبر" في أدبيات ثورة الملالي، وإيران هي "محور الشر" في أدبيات أميركا والغرب. مفارقة تليق ببراغماتية واشنطن التي لا تعرف صداقات مقدّسة ولا عداوات عبثية، بل لحظات تُلتقط حين تتقاطع الضرورة مع المصلحة. وانطلاقاً من ثوابت الإدارة الأميركية في إدارة المتغيّرات، يبرز سؤال لا يمكن تجاهله: هل تريد أميركا الاحتفاظ بالملالي في المشهد أم تريد الاستعانة بكومبارس آخر؟
الشاه الذي أُقصي عن خشبة المسرح، لعب لسنوات دور شرطي الخليج، ولكن حليفته واشنطن لم تستصعب أن تستبدل شرطيًا بآخر. سلّمت رجال العمائم مفاتيح الدور رغم صيحات "الموت لأمريكا". الواقع "الجيو مصلحي" رسم خطوطًا أكثر تعقيدًا من الشعارات: الملالي شرطي الخليج الجديد، برغبة أميركية، وبقبضة مذهبية تُخيف وتُوازِن في آنٍ. وعندما تجاوز صدام حسين حدود الدور المرسوم لطهران وكسَرَ القواعد، كان لا بدّ من كسره. حُفِرت له حفرة غزو الكويت وسقط فيها.
منذ سقوط صدام، لا تنفكّ واشنطن تذكّر بأنّ لعبة التوازن التي رسمتها للمنطقة لا تحتمل طامحين كثراً. من يشذّ عن الإيقاع يُقتل، وفي أنصف أحكامها يُستبدل. هكذا حصدت معمر القذافي وحسني مبارك وزين العابدين بن علي في ضربةٍ واحدة. وهكذا حصدت حسن نصر الله وبشار الأسد ويحيى السنوار في ضربةٍ واحدة أيضاً. منهم من ذهب إلى القبر، ومنهم من غادر القصر إلى المنفى.
الثابت هو أنّ واشنطن لا تنام، لكنها تُغمض عيناً وتفتح أخرى. وحين يجيء وقت الحساب، نارها لا ترحم من يخطئ التوقيت. توجيه واشنطن ضربة لمنشآت إيران النووية، يؤكّد أنّ "العم سام" ليس رجلًا من لحمٍ ودم، ولا جدًا حنوناً كما يوحي اسمه، بل هو رجلٌ بارعٌ يعرف متى يُسقط أرقام الأصدقاء و"الأعدقاء" من دفتر حساباته، كما تُلقى الورقة الزائدة من أعلى.
أعطيت إيران لسنوات مجد المنطقة: حسن نصر الله كصوتها الأعلى، ووحدة الساحات كامتدادٍ لنفوذها، وكلمة مُهابة على مساحة الشرق الأوسط. لكنّها لم تُعطَ ما أرادته حقاً: امتلاك القنبلة.
ثمّ بدأت الخسائر. خسرت نصر الله الذي صاغ سرديتها بأسلوبِ ساحر، وخسرت الساحات التي حاكتها بخيوط الولاء واحدة تلو الأخرى. لم يبقَ لها إلاّ الحلم المؤجّل: القنبلة. فتمسّكت بها أكثر، واعتبرتها تعويضًا عن كلّ ما انكسر. ومع التمسّك، تغيّر الوجه: من خصمٍ مطيع يخضع لحسابات اللحظة، إلى خصمٍ منتفخ، تفيض طموحاته عن مقاسه، وصوته يعلو أكثر ممّا تحتمل آذان سيّد البيت الأبيض.
باختصار، تاج الإمبراطورية الفارسية كبُر أكثر ممّا يحتمل رأسها، فأذن ترامب لنتنياهو بداية في أن يسرق منها المشهد. نفس المخرج الأميركي الذي أسند لإيران بالأمس دور رجل المنطقة القوي، يريد لها اليوم دور رجل المنطقة المريض. لزّم ترامب لنتنياهو مهمّة قطع الأذرع واقتلاع الأسنان وتقليم الأظافر، وعندما تلكأ "الأسد الصاعد" في صعوده، سانده الأميركي بضربة قاسية وإنما غير قاصمة. فهل تريد واشنطن أن تعيد طهران إلى الطاولة بلا أوراق ولا أسنان ولا أظافر؟ وبمعنى آخر، هل النظام الإيراني باقٍ؟
حين فاض المدّ وأغرق مراكب مبارك وبن علي والقذافي ومَن بعدهم ومَن قبلهم، لم تتردّد واشنطن في مجاراة الموجة... رحل الرؤساء، ورحلت أنظمتهم معهم. لكن، مع طهران، الأمر مختلف. فسقوط الرأس لا يعني سقوط الجسد، والنظام هناك بُني ليقاوم الضربات، لا ليسقط بالضربة الأولى. وفوق ذلك، النظام في طهران لا يُزعج واشنطن، إلاّ في حال نبتت له أسنان لا تريد أميركا استخدامها.
في لعبة اللاحب واللابغض التي تتقنها واشنطن، لا يبدو أن الضربة تهدف إلى قلع نظام الملالي، بل فقط إلى قلع أنيابه. فشرطي الخليج المريض سيبقى في الخدمة، وإن أفقده "دكتور ترامب" أسنانه، فإنّ إدارته قادرة، إن شاءت، ومتى شاءت، على زرع أطقم جديدة له عند الحاجة، إلّا إذا قرر المرشد أن يمضي على خطى الأسد!