لا ريب في أن التدخل الأميركي على خط المواجهة الاستراتيجية المحتدمة بين طهران وتل أبيب والذي تمثل في ضرب ثلاث منشآت نووية إيرانية من بينها منشأة فوردو، والتي نعاها رسميًا الرئيس الأميركي دونالد ترامب، أدخل الغبطة إلى قلوب رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو ووزرائه المتطرفين المتعطشين للقضاء على البرنامج النووي للجمهورية الإسلامية الذي يسبب لهم صداعًا مزمنًا. فصور قاذفات "بي 2" الأميركية وهي تُغِير على مفاعلات طهران النووية، أمست واقعًا أليمًا يعمّق حفرة نظام الملالي، بعدما كانت حلمًا يراود "بيبي".
وبطبيعة الحال، فإن الصفعة الأميركية لإيران ستشكل محطة أساسية وضرورية لحسم الحرب لمصلحة إسرائيل، بعدما أوحت مجريات المنازلة العسكرية في الأيام الأخيرة بأن أمدها سيكون طويلًا، إن لم تتدخل قاذفات "العمّ سام" لوضع بصماتها الحاسمة على حرب، ثَبُت فيها أن نظام الملالي كما أذرعه هم أوهَن من بيت العنكبوت أمام "الجبروت الإسرائيلي" المعزَّز أميركيًا، وتساقطوا تباعًا كـ "أحجار الدومينو" خلال أشهر قليلة، بعد إيهام شعوبهم ودول العالم بأنهم قوى كاسرة في المنطقة.
تقويض استقرار النظام
الإعلام العبري اعتبر أن الضربة الأميركية لإيران أدخلت منطقة الشرق الأوسط في مرحلة جديدة، خُلطت فيها الأوراق، وأن الخطوات اللاحقة التي ستتخذها إيران والولايات المتحدة وإسرائيل لن تحدد مصير المواجهة الحالية فقط، بل أيضاً مسار المنطقة برمّتها. وسألت الصحف الإسرائيلية: هل نحن على أبواب حرب مستمرة؟ وهل الهجوم الأميركي سيردع طهران أم سيؤدي إلى تصعيد لا يمكن السيطرة عليه؟ وهل ما يحصل بداية مسار داخلي في إيران؟ وهل الضغط العسكري الخارجي الذي لم يعد إسرائيليًا فقط، بل أضحى أيضًا أميركيًا، قادر على تقويض استقرار النظام؟
الصحافي رون بن يشاي طرح بدوره في "يديعوت أحرونوت" عددًا من الأسئلة التي ستسمح الإجابات عنها برأيه بفهم إلى أي حد ساهمت هذه الهجمات في الدفع قُدُمًا بأهداف الحرب. وسأل: هل المفاعلات في فوردو أُصيبت وفقًا للوكالة الدولية للطاقة الذرية أو أُغلقت مداخلها؟ وهل أوقف ما حدث العمل في المنشأة لوقت قصير، وبالتالي هناك حاجة إلى هجمات إضافية من أجل استكمال العملية الإسرائيلية؟
"دبلوماسية المدافع والقاذفات"
البروفيسور أبراهام بن تسفي اعتبر في "يسرائيل هيوم" أن نجاح العملية يمكن أن يمنح الرئيس الأميركي رصيدًا سياسيًا كبيرًا، ويُظهره كقائد حاسم وشجاع، سواء على المستوى الإقليمي، في إطار سعيه إلى بناء شراكة واسعة مع العالم السنّي، أو على المستوى العالمي في مواجهة روسيا والصين، اللتين تسعيان إلى استغلال أي مظهر من مظاهر الوهن الأميركي. أضاف، علاوةً على ذلك، ومع مرور الأيام، يزداد وضوح الفجوة بين أسلوب التفاوض العملي القائم على الصفقات الذي يتبعه ترامب، والأسلوب الدائري والمعقّد للمرشد الإيراني علي خامنئي، الأمر الذي يقوّض بالتدريج آمال البيت الأبيض في التوصل إلى اتفاق، ويقوده نحو المسار العسكري. وسأل بن تسفي هل إرسال قاذفات "بي 2" القادرة على حمل قنابل خارقة للمخابئ لضرب أعماق فوردو، هو مؤشر واضح إلى عملية عسكرية وشيكة، أم مجرد جزء من "دبلوماسية المدافع والقاذفات"، التي تهدف إلى إرهاب العدو وإقناعه بتليين مواقفه؟
"حزب الله" في حال تأهّب
الكاتبة في "معاريف" آنا بركسي رأت أن الضربات الأميركية خطوة غير مسبوقة تؤشر إلى تغيير في السياسة الأميركية إزاء إيران، وإلى الانتقال من الامتناع عن المواجهة المباشرة إلى التدخل المباشر والدقيق. وسألت بركسي: هل المنشآت التي هوجمت توقفت عن العمل بالكامل؟ وهل مخازن التخصيب تضرّرت بصورة تعطّل مساعي التخصيب في المستقبل المنظور؟ وأضافت الكاتبة الإسرائيلية أن صورة الوضع في ساحات الأذرع تدل على مدى حساسية الوضع على الأرض: فعلى الحدود الشمالية، "حزب الله" في حال تأهّب عالية، والدولة اللبنانية تحاول بكل قدرتها منع حدوث تدهور يجرّ البلاد كلّها إلى داخل المواجهة، والحوثيون في اليمن يهدّدون باستئناف الهجوم على السفن الأميركية في البحر الأحمر. وفي العراق، تبدو الميليشيات الموالية لإيران مستعدّة للانضمام إلى المعركة على نطاق واسع للرد على التدخل الأميركي.