لوسي بارسخيان

الأدلّاء السياحيون... صمود رغم الإحباط والترقّب والحرمان

10 دقائق للقراءة

تكبر حسرة اللبنانيين على قطاعهم السياحيّ المعرّض لأزمات متكرّرة عند كلّ خضّة أمنية داخلية أو خارجية. فعلى الرغم من كلّ الـمقوّمات التي يملكها لبنان ليكون "جنّة سياحية"، فإنّ هشاشة واقعه السياسي والأمني تنعكس مباشرة على هذا القطاع. وهذا ما خلّف ندوبًا عميقة، تنعكس خصوصًا على حلقته الأضعف، أي الأدلّاء السياحيين. ليكون هؤلاء أوّل من ينكسر وآخر من يشفى.


سفراء لبنان السياحيّون ليسوا بخير هذه السنة أيضًا. حتى لو توقّفت حرب إيران - إسرائيل الأخيرة باكرًا، فإنّ جروحهم التي تعمّقت منذ العام 1991، تبدو كمن فقد فرصة جدية للشفاء المستدام.


وهذا ما يراكم إحباطات العاملين في القطاع، خصوصًا أنهم متروكون أيضًا في تخبّط، بلا ضمانات اجتماعية ولا حماية صحية، وسط فوضى تنظيمية، يتغلّب فيها اللاشرعي على الشرعي. لتتحوّل مهنة هؤلاء "غلطة عمر" كما تصفها المرشدة السياحية سيدرا حايك مخلوف.


مواسم بدأت بالحلم وانتهت بحجز ملغى

ترتفع نسبة "الأدرينالين" بدم الأدلّاء السياحيين وتنخفض إذًا، متأثرة بالأحوال الأمنية المحلية والإقليمية وحتى الدولية أحيانًا. وقد بدت توقعات هؤلاء واعدة في بداية الموسم الحالي إلى حدّ جعل المرشدين يتفاءلون مجدّدًا. حتى أن إحدى المرشدات التي تعمل كمدرّسة لتأمين استقرار معيشتها، استعدّت للتفرّغ للسياحة مجدّدًا. إلى أن وقعت الحرب الإيرانية الإسرائيلية، وبدأت رحلات الطيران تلغى الواحدة تلو الأخرى. فانتقل هؤلاء من حالة التفاؤل المفترض إلى حالة إحباط وترقّب مجدّدًا.


تتحدّث زينة خياط، وهي مرشدة سياحية منذ 12 سنة عن أصعب سنوات عاشتها منذ بدأت حياتها المهنية، وتحديدًا بين نهاية عام 2019 وحتى العام الجاري. فتروي أنه عندما بدأت أزمة لبنان المالية التي ترافقت مع تحرّكات شعبية في تشرين ذلك العام، كانت برفقة مجموعة إسبانية في مدينة صور، فشهدت مع السيّاح على حرق مطعم تابع للسيدة رندا بري. تقول زينة "مع أنني كنت محجوزة لمرافقة المجموعة لأربعة أيام إضافية، قرّر هؤلاء أن ينهوا إجازتهم بلبنان والعودة إلى بلدهم. ومنذ ذلك الحين، ونحن ننتقل من أزمة إلى أخرى. وبعد أن حبستنا "كورونا" لسنة تقريبًا، تنفّسنا قليلًا بعد انفجار مرفأ بيروت قبل أن تقع حرب غزة. حذّرت السفارات رعاياها من زيارة لبنان، فطارت الصيفية. ومع نهاية العدوان الإسرائيلي المباشر علينا تأمّلنا بالموسم الحالي، إلى أن وقعت مجدّدًا حرب إسرائيل – إيران، فألغيت كلّ الحجوزات، ودخلنا في مرحلة انتظار جديد حتى العام المقبل". وتشرح زينة "تعاطينا كأدلّاء سياحيين مع السياح الأجانب تحديدًا، وهؤلاء عمومًا يخططون لإجازاتهم قبل سنة من موعدها، ولا يمكن استعادتهم بسهولة حتى لو توقفت الحرب مباشرة حاليًا".


أدلّاء في روزنامة الأزمات

يتحدّث مرشدون سياحيون عن تجارب مشابهة اختبروها حين علقوا مع مجموعاتهم خلف الإطارات المشتعلة في الطرقات إثر ثورة 17 تشرين. بل تعود سيدرا بالتاريخ إلى أبعد من ذلك، فتروي كيف بدأت مهنة المرشد تزدهر منذ العام 1991 وأصبحت خيار اختصاص مغريًا للشبان والشابات إلى أن اختبرت الأزمة الأولى إثر حرب العام 1996 ومجزرة قانا. ومن ثم كرّت سبحة الأزمات في العام 2000 مع الحرب التي انتهت بالتحرير. وفي العام 2005 مع اغتيال الرئيس رفيق الحريري، وفي العام 2006 مع حرب تموز، و 2008 مع حرب نهر البارد، وصولًا إلى الحرب التي اندلعت في سوريا في العام 2011 وأبقتنا تحت تأثير تداعياتها.


بعد استعراض هذه الأزمات تقدّر سيدرا مجمل سنوات عمرها المنتجة بسنتين فقط، بينما تعتقد بربارة مطران، وهي من الجيل الذي عايش مشاكل القطاع منذ العام 1975، أنها لا تزيد على سبع سنوات.


تشرح بربارة أنه عندما توقفت الحرب الأهلية في تسعينات القرن الماضي، لم يتقاطر السيّاح إلى لبنان مباشرة. بل بقي الخوف مسيطرًا لسنتين تقريبًا. واطمأنّ الناس إثر انطلاق ورشة إعادة الإعمار، وبدء استعادة لبنان جماله وحماس العالم لاستثمار الأموال فيه. تضيف بربارة "مع أن ظروف العامين 1994 و 1995 كانت صعبة علينا كأدلّاء سياحيين، خصوصًا بسبب تبدل معالم الطرقات، كنا فرحين وفخورين بعودة الحياة إلى وطننا، وبالطريقة التي كان يتم فيها إعمار البلد. إلى أن اختلفوا سياسيًا مرة أخرى، وصار هذا يقتل ذاك، وشهدنا موجة السيارات المفخخة فتوقفت السياحة مجدّدًا. وبتنا منذ ذلك الحين في وضعية النجاة surviving mode، نعيش كل يوم بيومه".


حبّ يتغلّب على اليأس

تقول زينة "في الظروف التي نمرّ بها أحيانًا نفضّل لو أننا ولدنا أو نربي أولادنا في بلد مختلف. ومع ذلك لا يمكن أن نسمح بأن تتسلل إحباطاتنا إلى السائح. وبينما نحن نشرح له عن جمال لبنان نغرم به مجدّدًا". وهذا ربما يجعل قلبها كما قلب بربارة يدمى لكلّ ما يقع في لبنان وحوله.


لا تنفي بربارة في المقابل وجود بعض السياح في لبنان حاليًّا على الرغم من الظروف غير المستقرّة التي تسبّبت فيها حرب إيران - إسرائيل. ولكنّها تقول "إذا اشتغل عشرة أدلّاء ليس معناها أنّ الشغل ماشي". مضيفة "أنا كأرملة ربيت أولادي وصاروا كبارًا، ولكنني أجزم حاليًا بأنّ المهنة، بسبب الظروف التي تمرّ بها لا يمكن أن تعيل عائلة".


من مهنة إلى هواية؟

وانطلاقًا من هنا، يشير بعض المرشدين إلى زملاء لهم، يزاولون مهنًا جانبية أساسية من أجل إعالة عائلاتهم، من تجارة ووظائف تدريس في المدارس والجامعات، وحتى في ضمان أراضٍ زراعية وتداول بيع سيارات وغيرها، متمسّكين بمهنتهم الأساسية كهواية يمارسونها بين الحين والآخر، وعندما تسمح الظروف. على أمل استعادة أيام عز شبيهة بموسمي 2018 و 2019 تحديداً.


يترحّم كلّ من الأدلّاء السياحيين على هاتين السنتين تحديدًا. فتروي بربارة كيف أنها خسرت دخل 17 يومًا في تلك المرحلة، لأنها قررت زيارة ابنتها في إنكلترا، مع أن الزيارة كانت مبرمجة في low season. وتشرح في المقابل "ليس هناك موسم ميت في لبنان. فالسياحة عندنا يمكن أن تمتدّ على مدار السنة. فهناك السياحة الصيفية، والطبية والثقافية والشتوية وأخيرًا السياحة الدينية، وبالتالي موسم السياحة يمكن أن يمتدّ لـ 365 يومًا".


في المقابل، تقول سيدرا إن لبنان "يملك من المقوّمات ما يجذب سياحًا من مختلف الجنسيات، ومن بينهم البولنديون". هذا في وقت تعوّل زينة على هؤلاء لإنقاذ ولو جزء من موسم الصيف.


خصوصًا أنّ اهتمامات هؤلاء دينية تحديدًا، وبعضهم يأتي لزيارة مار شربل والقديسة رفقا. حتى لو تجنب هؤلاء زيارة البقاع ومنطقة بعلبك تحديدًا، ولكنهم ينعشون مناطق المتن وصيدا".


شغف يتغلّب على اليأس

رغم كلّ ما اختبروه يحترم المرشدون السياحيون كثيرًا مهنتهم. لا بل يعتبرون دورهم في القطاع السياحي أساسيًّا.


وفقًا لنقيب الأدلاء السياحيين جان كلود حواط "نحن العين التي يرى فيها السائح. فالغريب أعمى كما يقال، بينما أول شخص يمكن أن يتفاعل مع السائح هو الدليل الذي يأخذ منه معرفته. والدليل إمّا أن يحفّزه على تكرار التجربة، أو يسيء إلى سمعة لبنان ويتسبب في مغادرته من دون رجعة".


قد يكون المرشد الشاهد الأقوى على ما تبقّى من روح لبنان. فهو الذي يحفظ أسماء الكنائس والمعابد، يشرح النقوش على الحجارة، ويعيد رسم الذاكرة في عيون الزائرين. وانطلاقًا من هنا تقول بربارة "نحن نعتبر مهنتنا رسالة" ومثلها ترى سيدرا "أننا مبشرون بلبنان وجماله"، وهذا ما يجعل المرشد "وجه البلد الحضاري"، خصوصًا كما تقول "إن السائح لا يرى لا وزير السياحة ولا رئيس الجمهورية، الاحتكاك المباشر مع المرشد، وأنا مرآة وطني، ومصداقيتي استمدّت من عمق المعرفة والثقافة والقدرة على إيصال وجه لبنان الجميل".


تسترسل بربارة أيضاً في شرح يعكس شغف المرشدين عمومًا ببلدهم. ويتحدث المرشدون عمومًا عمّا يشكلونه من شهود على كنوز الوطن، وهذا ما يجعلهم يعتبرون مهنتهم "رسالة وطنية" أكثر منها مهنة معيشية. فيبدو الشغف عاملًا أساسيًا ومشتركًا في نجاح المرشد السياحي بأداء رسالته.


بالنسبة لزينة خياط "ليس ما نملكه من معلومات وحده عامل نجاحنا. إنّما الثقافة العامة التي نتحصّن بها وطريقتنا في نقل المعرفة".


أوّل المنكسرين وآخر المتعافين

ولكن هل يكفي الشغف فعلًا للعيش؟ وماذا في واقع مهنة تقف على هامش دولة، وفي واقع قطاع أسير الأزمات؟وكيف الحال إذا أضيفت إلى الأزمات الفوضى المتسلّّلة، سواء بواسطة وسائل التواصل الاجتماعي أو سواها؟ ألا يمكن لهذا الشغف أن ينقلب يأسًا إذا لم تتوفر الظروف المناسبة لتفجيره؟


تحبط الظروف غير المستقرة المرشدين السياحيين إلى حدّ تسللهم خارج المهنة وهجرتها. فبحسب بربارة "نحن نعمل في قطاع يتوقف عند أول طلقة رصاص ويكون عادة آخر المتعافين. فالسائح عادة يتجنّب البلدان التي تكثر فيها الإشارات السلبية، خصوصًا أن بلاد الله واسعة، ولا أحد يرغب في أن يزور بلدًا يمكن أن ينفجر فيه الواقع بين لحظة وثانية". هذا ما يتسبب في عدم استقرار معيشي في مهنة الأدلاء السياحيين تحديدًا.


لا شكّ أنّ الظروف السيئة دفعت بكثير من الأدلّاء لهجرة المهنة. ووفقًا للنقيب حواط يسجل حاليًا في النقابة 126 دليلًا شرعيًا مرخصًا. بينما يبلغ مجمل عدد المرشدين المرخصين 750. وهذا العدد إذا كنا نعيش بظروف طبيعة أفضل وفقًا لحواط يمكنه أن يتضاعف.


ولكن الحرب ليست وحدها "ما يطفش" هؤلاء من مهنتهم. إنما أيضًا الفوضى المتسللة إلى القطاع بشتى الأشكال.


كيف انفتح القطاع أمام المتطفلين؟

ازدادت حالة الفوضى في المرحلة الماضية وفقًا لما يجمع عليه أدلّاء، عندما قام الوزير السابق وليد نصار بتوزيع بطاقات المرشدين حتى على المتطفلين على القطاع. فمنحت لسائقين ولشرطة بلدية ولمن لا يتقن من المهنة سوى لغة إضافية، من دون معايير ثابتة. وهذا ما دفع النقابة إلى الاعتراض لدى مجلس شورى الدولة، إلى أن تمّ تصويب الواقع لاحقًا، وسحبت البطاقات المعطاة عشوائيًا مجددًا.


ومع ذلك، فإن المزاحمة غير الشرعية في القطاع لا تتوقف. فبحسب النقيب حواط حتى يصنف أحدهم دليلًا أو مرشدًا سياحيًا يجب أن يكون لديه إذن بمزاولة المهنة من وزارة السياحة بناء لمرسوم صادر عن الدولة. وللحصول على الإذن هناك طريقتان: الأولى أن يكون متخصّصًا جامعيًا بالإرشاد السياحي، والثاني أن ينال شهادة من معهد السياحة بالوزارة بعد خضوعه لدورة تمتدّ من ستة أشهر إلى سنة تقريبًا. ووفقًا لحواط "هذه الآلية مهمة للحفاظ على المهنة من المتطفلين الذين لا يرون في السائح سوى جيبه، وبالتالي يسيئون إلى سمعة المرشد ولبنان في آن معًا. وهذا ما نعاني منه ونتعاون مع وزارة السياحة والشرطة السياحية لردعه، ولكن الفوضى كبيرة والشرطة السياحية عديدها قليل".


وسائل التواصل الاجتماعي وقدرتها على التغرير بالسائح تلعب دورًا سلبيًا مسيئًا للمهنة أيضًا وفقًا للأدلّاء السياحيين. وخصوصًا بظل غياب الرقابة. هذا بالإضافة إلى المضاربة الأجنبية التي يعانيها الأدلاء اللبنانيون من الدخلاء على مهنتهم، حتى لو أساء بعضهم لتاريخ بلد ليس بلده، وشوّهه.


هذه العوامل التي تفرض على الأدلاء السياحيين أن يصمدوا في ظروف اجتماعية غير مستقرة، خصوصًا أن عملهم كـ FREELANCE يحرمهم الحقوق بالضمانات الاجتماعية والصحية، لا تجعل هؤلاء أقل إجماعًا "على كون لبنان محاطًا بمقدار من الحب قادر على جذب السياح من دون أي دعاية". ويرى هؤلاء في مقوّمات لمّ الشمل مع المغتربين فرصة دائمة لإنعاش السياحة أيًا كانت الظروف. فاللبنانيون كما تقول بربارة "يموتون بتراب لبنان، مع أنّ بعضهم لم يتعرف إليه بالأساس". ودور المرشد السياحي بالنسبة لهؤلاء أيضًا أساسي. فعلى الرغم من وجع المرشد من وطنه وعليه، فهو يبقى مشرّبًا بالإيمان بجمال هذا البلد، وهذا ما يجعله يتحدث عنه كما لو أنه جنة. وفي هذا الإيمان تكمن سر ابتسامة هؤلاء الدائمة في أدائهم مهمتهم، فتمنحهم قدرة على تظهير الأجمل في بلدهم، رغم مرارة الواقع التي تجعل قلوبهم تختنق بما يواجهونه وحدهم من حروب وفوضى، وحتى بطالة.