إليوت كوهين

إعادة انتخاب ترامب... بداية التراجع الأميركي الدائم

3 تشرين الثاني 2020

المصدر: Foreign Affairs

02 : 01

دونالد ترامب في تجمّع انتخابي في مطار كارسون سيتي، نيفادا، 18 تشرين الأوّل 2020
إذا فاز الرئيس دونالد ترامب بولاية رئاسية ثانية، ستبقى مسائل كثيرة على حالها وستتابع رؤيته العالمية الضيقة رسم معالم السياسة الخارجية الأميركية. كذلك، سيستمر تخبّطه في منصبه القيادي ولن يزول استخفافه بالحلفاء أو إعجابه بالحكام الدكتاتوريين على مر ولايته الثانية. لكن بعيداً عن عالم السياسة، سيترافق فوز ترامب مع تحولات بارزة في علاقة الولايات المتحدة مع بقية بلدان العالم. تثبت هذه النتيجة الانتخابية أن واشنطن تخلّت عن طموحاتها بقيادة العالم واستغنت عن المفاهيم التي تحمل غايات أخلاقية على الساحة الدولية. من المتوقع أن تبدأ حقبة من الفوضى والصراعات القوية حين تلاحظ البلدان الأخرى انتشار شريعة الغاب وتتخبط للدفاع عن نفسها. كذلك، ستؤكد ولاية ترامب الثانية على ما يخشاه الكثيرون منذ الآن: ها قد انطفأت المدينة المشرقة الواقعة على تلّة وأصبحت القوة الأميركية جزءاً من الماضي!

كانت الولاية الرئاسية الأولى بقيادة ترامب مليئة بالمواقف الفارغة والإهانات والمشاحنات مع الحلفاء، فضلاً عن توجيه مجاملات وافرة للحكام الدكتاتوريين الودودين والمتملقين. ترافق هذا العهد الرئاسي أيضاً مع قلة كفاءة إدارية وعدم استعداد خبراء السياسة الخارجية والأمن القومي في الحزب الجمهوري للعمل لدى زعيمٍ يمقتونه. لهذا السبب، يُفترض أن نفكر بولاية ترامب الثانية المحتملة من حيث سياسات الإدارة وأسلوب تعاملها مع الغير وطبيعة موظفيها.

على مستوى السياسات، تتعلق أكبر الشكوك برغبة ترامب بعد إعادة انتخابه في ترسيخ مكانته في التاريخ: إنه حافز معروف لدى الرؤساء خلال ولايتهم الثانية. يحاول الرئيس بشكل عام إرضاء رغبته هذه عبر عقد صفقات كبرى: يبقى السلام بين إسرائيل والفلسطينيين الإنجاز المفضّل لدى الجميع، لكن تتعلق مسائل مهمة أخرى بإنهاء الحروب المستمرة أو التصالح مع الأعداء القدامى.

يعتبر ترامب عقد الصفقات الكبرى فكرة محورية لطرح نفسه كرجل أعمال مرموق نجح بشكلٍ استثنائي في استعمال الحكمة التي اجتهد لاكتسابها في سوق العمل لحُكْم البلد. تتعلق أكبر صفقة محتملة بإجراء مفاوضات تجارية مع الصين، ما يسمح بكبح التوتر الاستراتيجي المتصاعد بين البلدين. قد تشمل صفقات أصغر حجماً، اتفاق سلام بين إسرائيل والفلسطينيين أو مصالحة معينة مع روسيا. لإبرام هذا النوع من الصفقات، سيكون ترامب (رجل الأعمال الذي أفلس مراراً واتخذ في حياته الخاصة بعض القرارات المهنية السيئة في عالم الكازينوات وشركات الطيران وملاعب الغولف) مستعداً على الأرجح لتقديم تنازلات كبرى، فهو منح حكومة كوريا الشمالية فرصة القيام بزيارات رئاسية وعلّق التدريبات العسكرية مع كوريا الجنوبية بلا مقابل. لذا يسهل أن نتوقع إقدامه على خطوات مفاجئة مثل تسليم تايوان للصين أو الرضوخ للتجسس الصيني الصناعي في الولايات المتحدة.

لكنّ أياً من هذه الصفقات الكبرى لن يكون سهل التحقيق في هذه الظروف. لا تقتصر الخصومة الأميركية الصينية اليوم على المنطق الجيوسياسي المرتبط بتنامي نفوذ الصين بل تتمحور أيضاً حول الشكوك المتبادلة ورغبة الرئيس الصيني شي جين بينغ في تطهير منطقته من النفوذ الأميركي. وحتى لو أراد ترامب عقد هذه الصفقة، قد لا توافق بكين على التفاوض معه. وإذا وافقت، سيكون أي اتفاق محتمل مُعرّضاً للانهيار بقرارٍ من الكونغرس المقبل. في غضون ذلك، من المستبعد أن تقدّم المفاوضات بين الإسرائيليين والفلسطينيين صفقة أفضل من تلك التي حصل عليها الفلسطينيون خلال عهد كلينتون، ولا شك في أنها لن ترضي طموحاتهم بقيام دولة فلسطينية غير مقيّدة عاصمتها القدس. في ما يخص تحسين العلاقات مع روسيا، قد يكون ترامب معجباً ببوتين لكن لا يشاركه معظم الجمهوريين في الكونغرس أو في الأوساط البيروقراطية هذا الشعور.

هذا ما يوصلنا إلى مسألة أسلوب الرئيس في تعاطيه مع الآخرين. يمكن اعتبار خطاب ترامب مع الحلفاء التقليديين عبارة عن إهانات شبه متواصلة: من الواضح أنه لا يهتم كثيراً بمصالحهم أو مخاوفهم. قد يظن أن الولايات المتحدة تستطيع التصرف بشكلٍ أحادي الجانب، لكنه سيدرك في مرحلة معينة مدى صعوبة أن يعقد اتفاقاً مع الصين إذا عارضه أهم الحلفاء الآسيويين. سيصعب عليه أيضاً أن يحقق السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين إذا تخلّى عن الأنظمة العربية المُعرّضة للمخاطر، ولن يتمكن من التوصل إلى تسوية مع الروس إذا أصرّت أوروبا على رفضها.

الأهم من ذلك هو أن ترامب سيواجه عوائق مستمرة بسبب قلة الكفاءة الإدارية من حوله. بعدما أضعف الرئيس الأوساط البيروقراطية، سيدرك قريباً أن عمل السياسة الخارجية لا يحصل بكل بساطة خارج البيت الأبيض. لا مفر من إعاقة مسار العمل عمداً أو عرضياً بسبب نقص الموظفين أو قلة كفاءتهم في النظام البيروقراطي.





لا يعني ذلك أن ترامب سيعجز عن التحرك. إذا أصدر أمراً بعودة الجنود إلى ديارهم من أفغانستان والعراق أو حتى من أوروبا، سيتحقق ذلك حتماً (مع أن نجاح المسؤولين الذين عيّنهم في تأخير تنفيذ انسحاب القوات الأميركية من سوريا كان لافتاً جداً). لكن إذا أصرّ على موقفه، قد يتمكن من سحب القوات الأميركية ووضع تلك الالتزامات جانباً. مجدداً، سيكون تخفيض النفقات بهذا الشكل كفيلاً بترسيخ صورته كصانع سلام.

في هذه الحالة، ستكون ولاية ترامب الثانية شبيهة بما كان ليحصل لو أن الانعزالي روبرت تافت هزم دوايت أيزنهاور في الانتخابات الأولية للحزب الجمهوري في العام 1952 قبل أن يصاب باضطراب نفسي حاد في خضم هذه العملية. لا شيء يدعونا إلى توقّع أن يتخلى ترامب عن أسلوبه الهجومي والمثير للشفقة والمتخبّط والنرجسي والمتهور بعد انتصاره الثاني على خصم ديموقراطي يحظى بتأييد واسع. ستُسبّب نسخته العدائية والمتقلبة من مقاربة "أميركا أولاً" أضراراً تفوق عواقب السياسة الانعزالية التقليدية التي وَصَفها المؤرخ الأميركي آرثر ماير شليزنجر.

ستؤدي هذه المقاربة إلى تشويه سمعة الولايات المتحدة بشكلٍ دائم. وسيكون فوز ترامب بفارق ضئيل في ثلاث ولايات ضربة حظ كبرى: إنها نسخة أميركية من فيروس سياسي أصاب عدداً من الولايات الديموقراطية في السنوات الأخيرة. كذلك، سينذر انتخابه للمرة الثانية بظروفٍ أسوأ بكثير من وجهة نظر المراقبين الخارجيين: إما أن يكون النظام شائباً في جوهره، أو ربما تواجه الولايات المتحدة نوعاً من الانحطاط الأخلاقي. في مطلق الأحوال، سينتهي زمن الهيمنة الأميركية على العالم وسيزول البلد الذي بنى مؤسسات دولية ورسّخ قيم الحرية وحُكْم القانون ولطالما دعم حلفاءه. ستبقى الولايات المتحدة قوة عظيمة طبعاً لكن ستتغير طبيعتها.

شريعة الغاب

كان عهد ترامب مضطرباً بمعنى الكلمة وأساء إلى سمعة الولايات المتحدة بكل وضوح، لكنّ العواقب ستكون صعبة وسيئة بدرجة تفوق توقعات أشرس منتقدي الرئيس لأنها تعني العودة إلى عالمٍ يفتقر إلى القوانين ويحتكم إلى شريعة الغاب بما يشبه الحقبة الفوضوية بين العشرينات والثلاثينات. سيتفاقم الوضع بدرجة إضافية أيضاً لأن الولايات المتحدة لن تراقب الأحداث وتستعد للتحرك وتهبّ لإنقاذ غيرها عند الحاجة.

سيصبح العالم مبنياً على أعلى درجات المساعدة الذاتية، حيث تُعتبر جميع أدوات السلطة مشروعة من باب الضرورة. في الوقت نفسه، ستزيد رغبة الدول في اكتساب أسلحة نووية وقد تفكر باللجوء إلى الاغتيالات والأسلحة البيولوجية المستهدفة وعمليات التخريب الاعتيادية لإرساء الأمن، ولا مفر من أن تتوسع جاذبية الأنظمة الاستبدادية.

كذلك، ستضعف الولايات المتحدة بشدة نتيجة الخلافات الداخلية رغم حفاظها على صفة القوة العظمى. تشتق ولاية ترامب الثانية بشكلٍ أساسي من قمع الناخبين ومراوغات المجمع الانتخابي والمناورات البارعة التي يقوم بها السياسيون الجمهوريون، وقد تؤدي إلى زعزعة استقرار الدولة. وفق المعطيات الراهنة، أصبح الحزب الجمهوري محكوماً بالفشل ديموغرافياً، فهو يحصد معظم الدعم من فئة ضيقة ومُسنّة من الناخبين ويدرك قادته وخصومه هذا الواقع. سبق ووقعت أعمال عنف لأسباب سياسية في الشوارع الأميركية وقد تحصل تحركات أخرى قريباً. قد لا تندلع حرب أهلية مباشرة لكن يسهل أن نتخيل مهاجمة القادة السياسيين واغتيالهم على يد مناصري أحد الطرفَين وقد يتفاقم الوضع أيضاً حين يفوز ترامب ويزيد سخط خصومه المتطرفين. ولا شك في أن خصوم الولايات المتحدة الخارجيين سيجدون الطـــــرق اللازمة لتأجيج الوضع.

ســتكون أسوأ عواقب ولاية ترامب الثانية الأقل توقعاً. قد تُمهّد هذه المرحلة لتحولات بارزة في آراء الجميع حول الولايات المتحدة. لطالما اعتُبر هذا البلد منذ نشوئه أرض المستقبل والمشاريع، أو مكاناً واعداً بغض النظر عن عيوبه ومشاكله، أو مدينة لا تزال قيد البناء. لكن إذا بقي ترامب في سدة الرئاسة، قد تصبح الولايات المتحدة جزءاً من معالم الماضي. لن يتحول البلد إلى دولة فاشلة بل سيصبح تجسيداً حياً لرؤية فاشلة أو قوة مؤثرة انتهى عصرها الذهبي.

سبق وواجهت الولايات المتحدة هذا النوع من المراجعة الجذرية لصورتها. فقد هددت الحرب الأهلية وجود البلد كدولة موحّدة وشككت حقبة الكساد العظيم بنموذجه السياسي والاقتصادي. في هاتين الحالتَين، أدرك الرؤساء الاستثنائيون ضرورة توجيه الأميركيين نحو مستقبل أكثر إشراقاً وقد استوحوا رؤيتهم من قيم مؤسسي البلد. لهذا السبب، ركّز جزء من أبرز تشريعات الرئيس أبراهام لينكولن على تعزيز انفتاح الغرب على العالم وحرص الرئيس فرانكلين روزفلت على طمأنة الأميركيين إلى أنهم غير مضطرين للخوف إلا من الخوف نفسه.

رفع ترامب شعار "استعادة مجد الولايات المتحدة" واتّضحت وجهته بشكلٍ أساسي في عبارة وَرَدت في خطاب تنصيبه الكئيب في العام 2017 حين تكلّم عن "المذبحة الأميركية". لقد تبنّى الرئيس رؤية مبنية على التراجع الأميركي، ما يعني إضعاف جميع المنافع التي تستطيع الولايات المتحدة تقديمها للعالم. لكن تفتقر رؤيته عن العظمة المنشودة إلى المضمون بشكلٍ صادم، وتُبنى أفكاره السياسية على مشاعر البغض والخسارة والخوف من التهجير أو حتى اليأس المطلق. يعني فوزه بولاية رئاسية ثانية إذاً أن تواجه الولايات المتحدة أزمة متعددة الأوجه وقد تكون عميقة بقدر أزمات خمسينات القرن التاسع عشر وثلاثينات القرن العشرين. لكن يخضع البلد هذه المرة لقيادة زعيمٍ تُعيقه نرجسيته وقلة كفاءته وفهمه الشائب لما سمّاه أحد أسلافه الجمهوريين "آخر وأفضل أمل للبشرية".


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.