جويل غسطين

"نادي لكل الناس" حافظ الذاكرة الفنّية والثقافيّة

6 دقائق للقراءة

كرّس "نادي لكلّ الناس"، منذ تأسيسه، كلّ جهوده لبناء ذاكرةٍ جماعيّة عبر الفنّ والثّقافة. النّادي الذي يتّخذ من بيروت مقرًّا له، هو جمعيّة ثقافيّة غير ربحيّة، انطلق كمبادرةٍ فرديّة لعدد من هواة السّينما في "الجامعة اللّبنانيّة". سرعان ما تطوّر نشاطه ليصبح مؤسّسة تنظّم نشاطاتٍ ثقافيّة، قبل أن يتحوّل إلى جمعيّة رسميّة تحمل علمًا وخبرًا.


لا تقتصر أنشطة "نادي لكلّ النّاس" على لبنان فقط، بحسب ما يوضح الرّئيس التّنفيذي والمدير الفنّي للنّادي نجا الأشقر لصحيفة "نداء الوطن"، فقد امتدّ حضوره إلى عدد من الدّول العربيّة مثل تونس ومصر والمغرب، حيث شارك بجولاتٍ ثقافيّة ساهمت في تعزيز التّواصل الثّقافي العربي ودعم السّينما والموسيقى المستقلّة في المنطقة. بالإضافة إلى تأسيس مكتبة متخصّصة تضمّ أرشيفًا ورقيًّا ومسموعًا ومرئيًّا، مفتوحاً أمام الباحثين والطّلاب والجمهور العامّ، في مبنى جريدة "السّفير" في شارع الحمرا، ببيروت.



أنشطة متنوّعة

على مدار السّنوات، نظّم "النادي" أكثر من 1000 عرض سينمائي و150 حفلًا غنائيًّا وموسيقيًّا، إلى جانب أكثر من 40 تكريمًا ومعارض فنيّة عدّة، جابت مناطق متفرّقة في لبنان. وتنوّعت أماكن إقامة هذه الأنشطة بين المسارح، والمؤسّسات الأكاديميّة، والمكتبات العامّة، والمراكز الثّقافية، والبلديّات، بل وحتى مخيّمات اللّاجئين، ما يعكس التزام "النادي" بإيصال الثّقافة الفنّيّة إلى جميع فئات المجتمع.



مساحة للشّباب والتّفاعل

من الفعاليّات الثقافيّة التي ينظّمها "نادي لكلّ الناس" يبرز "مهرجان الفيلم العربي القصير"، الذي يمنح المخرجين الشّباب فرصةً للتّفاعل المباشر مع الجمهور من خلال العروض والنّقاشات. ويُشكّل هذا المهرجان منصّةً حيويّة لدعم الإبداع السّينمائي العربي وتعزيز الحوار الثّقافي.



حفظ التّراث 

ومن أهداف "النادي" حماية الإنتاجات السّينمائيّة والموسيقيّة المستقلّة والمهمّشة، والتي غالبًا ما تكون عرضةً للإندثار بعد مرور سنوات طويلة على إنتاجها. يشمل هذا العمل عمليات برمجة، ورقمنة، وترميم، ونشر، وتوزيع، وترجمة أفلام ومقاطع موسيقية تراثيّة محليّة وعربيّة، ذات طابع بديل ومستقل. وفي هذا السّياق، وزّع "النادي" أكثر من 70 فيلمًا لمخرجين كبار، لبنانيّين وعرب، تركوا بصماتهم في السّينما المحلّية والعربية، من بينهم مارون بغدادي، هيني سرور، جان شمعون، برهان علويّة، كريستيان غازي، جورج نصر، مي المصري، قيس الزبيدي، رفيق حجّار، محمد ملص، داوود عبد السّيد وقاسم حول. كما ساهم في أرشفة ورقمنة أعمال الفنّان الشّعبي اللّبناني عمر الزعنّي، أحد أبرز الأصوات التي وثّقت نبض الشارع اللبناني في النصف الأول من القرن العشرين. كل هذه النّشاطات غالبًا ما تقوم بالتّعاون مع نوادٍ ثقافيّة أوروبيّة، وبرعاية من وزارة الثّقافة اللّبنانيّة.


وفي خطوةٍ نوعيّة، أضافت منصّة "نتفليكس" العالميّة، خمسة من أعمال المخرج الرّاحل مارون بغدادي، إلى مكتبتها الرّقميّة. وتشمل هذه الأعمال ثلاثة أفلام روائيّة هي: "حروب صغيرة"، "خارج الحياة"، و "بيروت يا بيروت". بالإضافة إلى فيلمَين وثائقيَّين هما: "همسات"، و "كلّنا للوطن". أتى ذلك نتيجة تعاون مثمر بين "نتفليكس" و "نادي لكلّ النّاس" الذي لعب دورًا محوريًّا في البحث عن هذه الأعمال، ترميمها وأرشفتها للحفاظ عليها وإتاحة مشاهدتها للجمهور هنا وحيثما كان حول العالم، وبالتالي إيصال هذه الأعمال إلى أجيال جديدة من محبّي السينما والفنون المشهديّة.



"أبو سليم" يستعيد شبابه

وفي ختام "مهرجان السّينما الأوروبيّة في لبنان" الذي أقيم في شهر أيار 2025، وبرعاية "نادي لكلّ الناس"، أُعيد عرض فيلم "أبو سليم رسول الغرام" (1962) بنسخته المرمّمة والمترجمة، من بطولة الفنّان اللّبناني القدير أبو سليم (صلاح تيزاني). عرضٌ استثنائيّ أعاد فتح ذاكرة "أبو سليم" الّذي لم يشاهد الفيلم منذ ستينات القرن الماضي، إذ لم يكن يملك نسخة منه، كما أوضح نجا الأشقر في حديثه معنا. مشاهدة الفيلم بعد كل هذه السّنوات كانت لحظة مؤثّرة للفنّان المخضرم، حيث شعر كأنّه يلتقي بشبابه على الشّاشة الكبيرة، ما أيقظ في داخله ملامح الفنّان الفتى، وكأنّ الزّمن يعانقه مجدّدًا. ويشير الأشقر إلى أنّ "النّادي" يواصل مساعيه لنشر هذا الفيلم النّادر، من خلال عروضٍ مرتقبة في مناطق لبنانيّة عدّة، وفي العالمَين العربي والدّولي. يُذكر أنّ فيلم "أبو سليم رسول الغرام" من إخراج يوسف معلوف وكتابة عبّاس كامل، ويستمدّ قصّته من واقع الحياة اليوميّة في ستينات القرن العشرين والتي كانت تحدث في كلّ ساعة وكلّ يوم.



آخر نشاطات النّادي

ضمن فعاليّات "معرض بيروت العربي الدّولي للكتاب"، عرض "نادي لكل النّاس" من أرشيفه، فيلم "واهب الحرية" (1987)، الذي يوثّق نضالات الشّعوب ضد الاحتلال بعدسة المصوّر حسن نعماني وبمونتاج قيس الزبيدي. الفيلم كان حصل على "الجائزة الذّهبية" في "مهرجان دمشق السّينمائي" عام 1989، متناولًا مرحلة تحوّل "المقاومة" بعد ترحيل "منظّمة التّحرير الفلسطينيّة" من لبنان. كما عُرض فيلم "وادي التّيم" للمخرج رمزي الرّاسي، من إنتاج "مؤسسة التراث الدرزي"، في "المكتبة العامّة لبلديّة بيروت". الفيلم يوثّق الحياة في منطقة وادي التّيم من خلال شهادات أكثر من 70 شخصًا، جُمعت من 35 بلدة وقريَة، لتكشف عن هويّة جماعيّة متجذّرة تشكّل جسرًا ثقافيًّا بين لبنان، سوريا وفلسطين. ومن عروض "النادي" مؤخّرًا في "المكتبة العامّة لبلديّة بيروت" – مونو، فيلم "هدنة" للمخرجة ميريام الحاج، الذي يتناول ذكريات قدامى المقاتلين في الأحزاب المسيحية خلال الحرب اللبنانية.


وبالتعاون مع "المركز الفرنسي في لبنان" ينظّم "النادي" نشاط "أيام مارون بغدادي"، الذي تُعرض خلاله 5 أفلام مرقمنة ومرمّمة، هي: "تسعون" (1978)، كلّنا للوطن (1979)، "همسات" (1980)، "الرجل المحجّب" (1987)، "وعاد مارون إلى بيروت" (2024)، من 30 حزيران إلى 4 تموز 2025، الساعة 7:30 مساءً في "سينما مونتين" داخل "المركز الفرنسي في لبنان"، بيروت.


بهذا النّشاط المتواصل، يواصل "نادي لكل الناس" أداء دوره في دعم الثّقافة المرئيّة والمسموعة، والحفاظ على إرثٍ سينمائيّ وموسيقيّ مهدّد بالضّياع، في وقتٍ لا تزال فيه الحاجة ملحّة وكبيرة إلى مثل هذه المبادرات المستقلّة والرسميّة أيضًا لدعم ورفد المشهد الثّقافي اللبناني والعربي.



نشاط قريب لـ "النادي"