مازن مجوز

استعدّوا لـ "اختبار اللياقة النفسية"

10 دقائق للقراءة
تتخّذ الخلافات والمشكلات الأُسرية والزوجية المنتشرة في المجتمع اللبناني أشكالاً وصوراً على نحو لم نعهده من ذي قبل، فهي غالباً ما تحوّل البيوت إلى جحيم، وأقلّها يجعل البيوت تعيش نكداً واضطراباً شبه دائمين. وتطوّر المشاحنات بين الزوجين قد يؤدي إلى العنف الاسري، مروراً بالطلاق وليس إنتهاء بالقتل. فحالات الطلاق مثلاً شهدت إرتفاعاً بحسب ما كشفه رئيس "الدولية للمعلومات" جواد عدرا في 20 تموز الماضي عن ارتفاع في نسبة الطلاق بالمقارنة مع عقود الزواج في الفترة الممتدة بين 2014 و 2018 بلغت 19.6% مقارنة بـ 15.6% للفترة الممتدة بين 2009 و 2013". هذا الواقع يقودنا إلى طرح مجموعة من الأسئلة المحورية حول ماهية القيم والافكار والمبادئ التي يتمسّك بها المقبلون على الزواج، والمتعلقة بالزواج تحديدا؟ وتلك المتعلقة بالأبعاد النفسية والفكرية والسلوكية التي تربّيا عليها حول مسألة اختيار "شريك الحياة"؟ وأخرى تتعلق بالسبل الأنجع لبناء المنزل الزوجي، وطبيعة الحياة مع الشريك وغيرها...

يؤكد العديد من الخبراء والمتخصصين، ضرورة تطوير "برامج الفحوصات" التي تُجرى قبل الزواج، ويعتبرون "الاختبار الطبي" قبل الزواج في لبنان إلزامياً للكشف عن الامراض المعدية والخطيرة وبعض الأمراض الوراثية. لكن هل سيأتي يوم ونتلمّس فيه تقويماً جدياً للعلاقة التي تربط "الخطيبين" من خلال "الاختبار النفسي" والذي يطلق عليه في الغرب "إختبار اللياقة النفسية" ليطّلع كل منهما على الصفات والميول و"خصائص الشخصية" للطرف الآخر؟

لا تستقر الحياة الزوجية إلا بالاستقرار النفسي لدى الزوجين، ولا سيما إذا أخذنا في الإعتبار أن الجانب النفسي بات الركيزة الأساسية للإستقرار الأسري، لأنه يعدّ بمنزلة "الحصانة النفسية" للإقبال على زواج خالٍ من المشكلات والعقد وحتى من الامراض النفسية.

وتختص خدمة "الفحص والتقويم النفسي" بالازواج المقبلين على الزواج وأحياناً بالمتزوجين أفراداً أو مجتمعين وتهدف الى قياس مدى التكافؤ بين المقبلين على الزواج ونجاح الحياة الزوجية. ومن الاختبارات المشهورة في مجال العلاج الزواجي (إختبار كارل شولتز) المعروف باسم (personality inventory Marriage ) والذي يقيس جوانب التكافؤ الآتية بين الزوجين: أسلوب الحياة، السمات الشخصية مثل المرونة والاعتمادية، الكفاءة الجسدية والجنسية، الإتجاه نحو الطلاق، مفهوم الذات، الدافع والإستعداد للزواج؛ وليس من الصعب أن يتم ذلك في عيادات تنشأ خصيصاً لهذا الأمر، وفيها تكتّم ومراعاة لوضع ونوعية التفكير الخاص.

الإختبار مفيد جداً للعائلة والمجتمع معاً

قاضي بيروت الشرعي الشيخ حسن الحاج شحادة يصف هذا "الاختبار" بالأمر الايجابي والمفيد جداً للعائلة بأفرادها كافة، ولاستمراريتها وللمجتمع بأسره ثانياً. مضيفاً: "القصد منه التعرّف على الامور التي من شأنها الإضرار بسلامة العلاقة وديمومتها لمعالجتها وتلافيها، وتحقيق ما يسمى بوضوح الرؤية لدى كل من الطرفين تجاه الآخر".

ويؤكد أن هذا يساعد على التعرف أكثر على طريقة تفكير كل منهما، عوامل غالباً ما تُغلّف بالتحفّظ ، فعندها إما أن يقوما بمعالجتها أو أن يتم العزوف عن الارتباط. "وهنا إذا تمّ الزواج يكون ناجحاً ويخفف من حالات الطلاق والخلافات الأسرية المتفاقمة، ولا أعتقد أن الطائفة السنية قد ترفض مثل هذا الاقتراح في حال قدّم اليها من أصحاب الخبرة على شكل دراسة كاملة وشاملة لكل جوانب هذه المسألة"، يشرح الحاج شحادة.

وحول الآلية المفترض اتباعها لإقرارها رسمياً قال: "إما أن تقدّم المحاكم على اختلافها في لبنان اقتراح قانون عبر مجلس القضاء الذي تتبع، ورفعه الى مجلس النواب، وإما ان تتقدم الجمعيات المعنية بحقوق الاسرة بالتعاون مع محامين وخبراء في علم نفس باقتراح مماثل الى المجلس نفسه، ودائماً وفق الآلية المتعارف عليها في لبنان، وعند إقراره يضاف إلى الفحوصات الإلزامية التي تعتمدها المحاكم في لبنان".

أبو عبدو: حلمي شهادة نفسية الى جانب الشهادة الطبية

بدوره لا يستغرب الاباتي سمعان أبو عبدو منسق مكتب راعوية الزواج والعائلة في الدائرة البطريركية المارونية - بكركي الحديث عن هذا التقويم لكون الرهبانية تقوم بدورات تحضير للزواج تتضمن 7 لقاءات، وكل لقاء مدته ساعتان ونصف الساعة، تشمل الناحية الروحية (الزواج موضوع مقدس)، كيفية التواصل، العلاقة الجنسية بين الزوجين وصعوباتها واهدافها، الناحية القانونية للزواج، تحضيرات فترة الخطوبة (والمقصود أن يتعرف كل طرف على صفات ونفسية الطرف الآخر وماذا يحب وماذا يكره وما هي خلفياته الثقافية)، إدارة البيت المادية، ادارة الازمات في البيت كيف تتمّ، واخيراً موضوع الاحتفال بالزواج (كيف نحتفل به اذا كان فقيراً ومسكيناً هل يقوم باستدانة المال؟ هذا الامر صعب من حيث عملية الاقناع)، باختصار ننظر في كل مرتكزات الزواج.

ويشدّد على أن هذه الدورات إلزامية عند المذهب الماروني "عملنا عليها منذ 25 عاماً، وعند بقية المذاهب المسيحية شبه إلزامية، وفي الواقت الراهن نعمل على هيكلية جديدة لها وأصبح لدينا برنامج موحد للإعداد للزواج".

ويتابع أبو عبدو أنه في حال تبين وجود مشكلة جوهرية عند أحد الخطيبين، نطلب منهما إعطاء المشروع المزيد من الوقت والتفكير به ملياً كي تكتمل الجهوزية عند احدهما، أو لدى الاثنين معاً، وفي النهاية القرار يعود لهما. وفي الحقيقة لدينا ثنائي، بعد اقتناعه بالنتيجة، فضّل طرفاه الإنفصال وعدم الإرتباط. كاشفاً عن تأليفه كتاباً باللغة العربية هو الاول من نوعه في الشرق الاوسط يحمل عنوان: "الدليل الموحّد: نحو مراكز إصغاء ومرافقة متخصصة". مشيراً الى ان هدفه حتى السنوات العشر المقبلة أن يكون هناك الى جانب الشهادة الطبية وشهادة التحضير للزواج شهادة نفسية، "هذا حلمي، مهمتي تحديد مدى انسجام صفات الثنائي النفسية والفكرية".

قاعي: يوجد شخصيات لا يمكنها التعايش معاً



أما الاختصاصية في علم النفس العيادي إيليانا قاعي فترى أن "الاختبار النفسي" قبل دخول "القفص الذهبي" غير كافٍ، ومن الضروري توجه طرفيّ الثنائي إلى إستشاري نفسي "عند فترة التعارف، ما يسمح باكتشاف المشاكل المحتملة باكراً، وعلى الرغم من تقبّل شريحة من اللبنانيين لهذه الفكرة، يبقى العائق الأساسي هو مجتمعنا الشرقي، والخوف لدى الكثير من المقبلين على الزواج منها لإعتباره/ها إياها تعني أنه مجنون أو أنها مجنونة، أو أن القيام بها "عيب""، مشدّدة على أنه رغم أن الفكرة تبدو صعبة التطبيق للوهلة الأولى، ولكنها باتت ضرورية جداً.

وتؤكد أن هناك نماذج من الشخصيات لا يمكن أن تعيش معاً مهما كان الانسجام سائداً، لأن إحداها ستغلب الأخرى، خصوصاً أن كلاً منهما ينتمي إلى بيئة وعائلة وتربية معينة، وهذه الموروثات يحملها كلّ منهما لاشعورياً إلى داخل "البيت الزوجي".

وتوضح قاعي أن الأهم في العلاج، في حال تبين وجود مشكلة ما، أن يفهمها الخاضع له، أي فكرة La prise de conscience وهي أساسية للعلاج، وهذا يسمح باستدراك للخطوة أيا كانت مما يخفف من وطأة التصرفات أو الكلام أو الإنفعالات خصوصاً أمام الأولاد، بعد أن يفهم السبب الذي دفعه إلى ذلك، لافتة إلى أن العلاج المبكر يخفف تدريجياً من نسبة الجرائم الاسرية، والعنف الأسري، والمشاكل الزوجية ما يعني إستقراراً نفسياً وعاطفياً بينهما أولاً، ومع الأولاد ثانياً.

في المقابل إعتبرت قاعي أن "دورات التحضير للزواج في الكنيسة غير كافية، لأنها تقتصر على الأمور الحياتية من دون التعمق في الأمور النفسية، ولا تأخذ في الإعتبار إحتمال أن تكون إحدى الشخصيتين مريضة".

وإذ تصنّف قاعي العقد النفسية لدى أي من الزوجين على درجات، تكشف أنها تبدأ بارتكاب الجريمة العائلية وهو الـ Extreme لأنها تتضمن القتل المتعمد، وثانياً تأتي ممارسة العنف الزوجي، والإثنان يندرجان ضمن "المرض النفسي" أو "الشخصية المريضة" وهذا المرض يكون مكبوتاً وينتظر حادثاً مفجّراً كي يظهره/ تظهره، وبعدها يلجأ/ تلجأ إلى تكراره.

وتقول قاعي إن "المرأة اللبنانية في عصرنا وتحديداً الموظفة لا تدرك أن حدودها تنتهي عند حدود معينة، وراحت تطالب بحقوقها وما عادت تقبل بـ "التسويات" ولا بـ "التضحيات" على قاعدة "أنا متلي متلك". ومن هنا بدأت تفقد جزءاً من أنوثتها ومن دورها كامرأة، لا سيما إذا كانت لديها فكرة مسبقة حيال الزواج بـ "إنني أعمل ولست بحاجة إليك" و"على سلاحاتي ناطرة"، وأي مشكلة تحصل فاعلم أنني قادرة على العيش من دونك.

عبد الرحيم: الزواج ينتهي إما بطلاق فعلي أو خفي

وعلى نطاق عربي يستوقفنا ما يقوله الباحث والمحاضر في العلوم الإنسانية والمتخصص في علم النفس والتاريخ "أيمن عبد الرحيم" في إحدى الدورات التأهيلية للزواج في مصر: "إن هذه الدورات أصبحت ضرورية بسبب إنتهاء الزواج إلى نتيجة من اثنتين: "إما الطلاق الفعلي، وإما الانفصال الخفي الذي يبقى فيه الزوجان على رباطهما في حين أن العلاقة العاطفية قد انتهت بالفعل، عملنا يرتكز على تعويض عجز المجتمع عن القيام بوظائفه وغياب التوعية الزوجية فيه".

ذلك العجز، دفع بالكثير من المؤسسات الرسمية في بعض البلدان، كدائرة "قاضي القضاة " في عمان، أو دار الإفتاء في مصر، إلى تنظيم "دورات تأهيلية" للمقبلين على الزواج، وذلك للحد من انتشار الطلاق من خلال إكسابهم مهارات الحياة الزوجية، وكيفية التعامل مع المشكلات والضغوط الحياتية التي يواجهونها.

ووفق احصائيات الجهاز المركزي للتعبئة والاحصاء المصري الصادرين العام 2018، إرتفعت معدلات الطلاق السنوية في العديد من الدول العربية أبرزها مصر بأكثر من 198 ألف حالة، وبنسبة 44% من الزيجات، واحتلت المرتبة الاولى عربيا، المغرب نحو 100 ألف حالة، الجزائر 68 ألف حالة، السعودية حوالى 54 ألف حالة، الكويت 60 في المئة من الزيجات إنتهت بالطلاق، ولبنان 8580 حالة وجميع هذه الارقام في العام 2017.

رخصة قيادة الأسرة

هذا الواقع دفع بعض البلدان إلى شرط شبه أساسي للزواج، كما في "ماليزيا" التي تُطلق على شهادة الدورة "رخصة قيادة الأسرة"، لكن ما بين "الفردانية" كما يرى البعض، و"الاستهلاكية" كما يرى البعض الآخر، فإن أسباباً أخرى قد تساهم في صنع الطلاق. وستبقى تلك الأسباب متشابكة ومشتركة في محور واحد، وهو الجهل بطبيعة الحياة الزوجية وتكاليف العيش المشترك الذي لا تعالجه الفردانية، ولا تستوعبه العقلية المعتادة على استهلاك الأشياء بما فيها العلاقات؛ بدليل ما جاء في مقال لـ "فيل هوغان" في مجلة أوبزيرفر (Observer magazine) "العلاقات الزوجية تشهد على الدوام لحظات حرجة وأزمات سيئة، ولكن الاختلاف الحاصل في عصـرنا الحالي عما سبق، يكمن في السـرعة المذهلة التي أصبحنا نملّ بها من تلك العلاقات".

وفي الختام يبدو أن الاتجاه نحو "الإختبار النفسي" لتأهيل المقبلين على الزواج أصبح ملحاً، نظراً لأهميته التي تُعدّ المجتمع للقيام بأدواره مجدداً، والحفاظ على لبنته الأساسية المتمثلة في "الأسرة"، وبالتالي بات الثنائي بحاجة للتعامل مع الأمر بلا خجل أو خوف؛ لأن الاعتراف بالقصور قد يساهم في تداركه، في حين أن التجاهل قد يساعد على مضاعفة الإحصاءات الآنفة الذكر.