جوانا صابر

شهادات من داخل دار المسنين: أمل الانتظار وحب لا ينضب

دقيقتان للقراءة
في المساء تمرّ الممرّضة بين الغرف وتكتم دمعتها كلما سمعت اسمًا يُنادى في الحلم

في قلب بيروت، على مقربةٍ من شارعٍ نسيه العمر، يقع مبنى صامت، لا يعجّ بالحركة، ولا يزدحم بالزائرين، بل يحتضن من اختارهم النسيان أو خانهم الزمن. هناك، خلف أبوابه الثقيلة، تتوارى قصص لا تُروى، وتُحكى فقط بالعيون، أو بعبارات مقتضبة، تُطلقها قلوب لم تعد تنتظر.



في إحدى الغرف، تجلس أم ندى. تسند ظهرها إلى كرسيّ خشبي، وتحدّق إلى نقطةٍ لا يراها أحد سواها. كل من يمرّ بها يسمع همسها: «كان عندي بيت... كان عندي ولاد». تقولها ثم تصمت طويلاً، كأنها تحاول استيعاب أن كل هذا أصبح ماضياً. ولدان كبرا وهاجرا، ومع أول نزلة برد، أدخلاها الدار مدّعين أن السفر طال، وأن الغربة قاسية. «ما زعلت من الغربة، زعلت من وداع ما فيه رجعة»، تقول ذلك وهي ترتّب صورة عتيقة جمّدوها في إطار خشبي، تجمعها بابنها الأكبر يوم زواجه.



في الممرّ الطويل، يخطو العم رمزي ببطء. كان يعمل حلاقاً في البسطة، وقصّ شعر نصف بيروت أيام زمان. «صرلي خمس سنين هون، أول شي كنت قول يمكن بعدني بقدر إرجع عالدكانة... بس القلب وجع، والناس اتغيّرت». لا ينتظر أحداً، يقول إنو صار «صاحب حالو»، وبات يعرف وجوه العصافير من الشباك أكتر ما يعرف وجوه أولاده.



تحت الشجرة في ساحة الدار الصغيرة، تجلس ليلى، تعشق الشمس لأنها «ما بتكذب». كانت مدرسة لغة عربية، تعرف كل أبيات المتنبي. تحفظها عن ظهر قلب، ترددها كل صباح، وتضحك وحدها. «جوزي مات بكير، وولادي ربّيتن وحدي... بس لما كبرت، صار عبء. هيك قالولي، مش بالحرف، بس العيون بتحكي». تتوقف، ثم تهمس: «عالم بيتهرّب من واجبه، وبيلبس تقاليد حلوة متل اللباس الرسمي، وبس يطفي الضوء، ما بيضل شي منن».



الدار ليس مبنى، بل شاهد. لا يطلب الكثير، لا يشكو، فقط يحتفظ بالقصص كما هي. كل غرفة داخله كتاب مفتوح، وكل نزيل صفحة لم تُختم بعد. في المساء، حين ينام الجميع، تمرّ الممرّضة بين الغرف، تتفقد الأغطية، تطمئن على النائمين، وتكتم دمعتها كلما سمعت اسمًا يُنادى في الحلم.

دار المسنين إن حكى، لقال عن أمٍّ ما زالت تنتظر، وعن أبٍ سامح أولاده ألف مرة، وعن قلوبٍ رغم كل شيء... ما زالت تحب، وما زالت تدق.