توقّفت الضربات الإسرائيليّة على إيران، ولكن أزمة نظامها دخلت طورًا جديدًا. الأخبار التي تتناقلها الصحافة العالميّة منذ أيّام ترسم صورة نظام مرعوب من خرق الموساد – لدرجة أنّ التواصل مع الخامنئي يقتصر على أقرب المقرّبين منه خوفًا على حياته – كما يبدو معزولًا دوليًّا، ويعيش حالة قلق من شعبه. كان يمكن لهذا النظام أن يسقط لو طالت المواجهة مع إسرائيل، ولو سمحت الولايات المتّحدة باستهداف الخامنئي. لكنّ حسابات إدارة دونالد ترامب اختلفت عن حسابات الإسرائيليّين الذين أوحوا أنّ هدفهم يتجاوز سلاح النظام النووي، ليطرح وجود النظام نفسه على المحكّ. هزمت إيران بالمواجهة، وأذلّت عسكريًّا، ولكنّ نظامها سيستمرّ حتّى إشعار آخر.
كان يمكن للسلطنة العثمانيّة التي سقطت بعد الحرب الكونيّة الأولى أن تسقط قبل ذلك بقرن أو أكثر. لم يحصل ذلك لأنّ الأوروبيّين كانوا مختلفين على تركتها. هناك شيء من هذا يحصل الآن. من جهة، استعجل ترامب إنهاء الحرب لأنّ قاعدته انتخبته على أساس إنهاء التورّط الأميركي بصراعات الشرق الأوسط. ومع أنّ إدارة جورج بوش الابن التي طبعها المحافظون الجدد بختمهم كانت جمهوريّة، فإنّ الحزب الجمهوري الجديد انفضّ عن إيديولوجيا التدخّل بالخارج لتغيير الأنظمة ونشر الديمقراطيّة بعد فشلها بالعراق. هذه التحوّلات الداخليّة في أميركا أنقذت نظام الملالي، ولعلّها تكون أنقذت رأس الخامنئي شخصيًّا، إن صحّ ما قاله ترامب لجهة أنّه منع نتنياهو من قتل القائد الإيراني. كما أنّ للسعوديّة تأثيرها القوي في واشنطن، وليس من قبيل المصادفة أن تكون زيارة ترامب الخارجيّة الأولى للرياض. والسعوديّة تخشى تداعيات سقوط نظام الملالي، لأنّ انفجار بلد يضم نحو تسعين مليونًا على حدودها سيجرّ على الرياض متاعب هي في غنى عنها؛ ولأنّ إسقاط نظام الملالي بقوّة سلاح إسرائيل سيطلق في المنطقة عصر تسيّد إسرائيلي تامّ تخشاه السعوديّة، كما كانت تخشى إيران زمن عزّ محورها. هذه الحسابات، الأميركيّة، والخليجيّة، اصطدمت بالاندفاعة الإسرائيليّة لتغيير نظام الملالي، ولجمتها مرحليًّا. ولذلك باتت إيران المهزومة تشبه السلطنة العثمانيّة قبل قرن، لجهة كونها دولة مستمرّة لا لأنّها قويّة، بل لأنّ الأقوياء حقًّا غير متّفقين على إسقاطها.
ليست المرّة الأولى التي تفترق فيها حسابات أميركا في المنطقة عن تلك الإسرائيلية. عام 1982، رفضت إدارة رونالد ريغان خطّة آرييل شارون لاجتياح لبنان. وبخلاف ما يظنّه كثيرون، حصل الاجتياح رغم الولايات المتّحدة وبخلاف إرادتها، وليس بالتنسيق معها. لاحقًا، في أيلول 1982، أطلق رونالد ريغن مبادرة سلام في الشرق الأوسط، واصطدمت الولايات المتّحدة وإسرائيل مجدّدًا: الأولى كانت تريد اعطاء الفلسطينيّين في الضفّة نوعًا من حكم ذاتي بإطار اتّحاد كونفدرالي مع الأردن، والثانية كانت تريد الضفّة لنفسها (ولا تزال). كما اختلف الحليفان بإدارة الملفّ اللبناني: أرادت إسرائيل معالجة أوضاع لبنان كملفّ قائم بذاته، وبغضّ النظر عن تطوّرات الأوضاع في الضفّة الغربيّة. أمّا الولايات المتّحدة فربطت المسألة اللبنانيّة بالسلام الإقليمي، وتحرّكت على أساس أنّ الحلّ بلبنان سيكون مقدّمة لحلّ مسألة الشرق الأوسط.
هكذا افترقت حسابات إسرائيل عن حسابات الولايات المتّحدة، ومن هذه الثغرة تسلّل حافظ الأسد لضرب المشروعين، الأميركي والإسرائيلي، بلبنان. ندرك الآن أنّ نيّة رونالد ريغن تجاه لبنان كانت جيّدة، ولكن حساباته كانت خاطئة. وإن صحّ فعلًا أنّ التخلّص من الخامنئي كان ممكنًا، ومعه نظامه، ولكن واشنطن حالت دون ذلك، فالشعب الإيراني القابع تحت حكم الملالي سيدفع الثمن، كما دفع اللبنانيّون سابقًا ثمن فشل السياسات الأميركيّة، ورحيل المارينز عام 1984، وتسيّد حافظ الأسد عليهم. صحيح أنّ نظام الأسد انهار لاحقًا؛ ولكنّ اللبنانيّين والسوريّين أمضوا عقودًا إضافيّة رهيبة بظلّه، علمًا أنّ هزيمته بلبنان، لو تمّت عام 1982، كان يمكن أن تكون مقدّمة لضربه بسوريا. استطرادًا، أن يكون النظام الإيراني اليوم رجل الشرق المريض، وأن تكون مرحلة ما بعد الملالي في إيران تلوح بالأفق، لا يعني أنّ معاناة الإيرانيّين مع الملالي القابضين عليهم توقّفت. بالعكس. الرجل المريض، والمطرود من المنطقة، هو بالضرورة رجل خائف، وتاليًا، متوحّش بعد أكثر ضدّ معارضيه في الداخل.