مع انتهاء مهلة تقديم الترشيحات لعضوية المجلس الدستوري لستّ سنوات 2025-2031، يغوص البعض في تفسيرات قانونية حول صوابية آلية الانتخاب والتعيين. إنّ الخبرة المتراكمة، وليس التحليل التجريديّ، طوال ثلاثين سنة (1994-2025) للمجالس الدستورية اللبنانية هي المدخل الاستنتاجي للتحليل والاتّعاظ ومواكبة التحرّر من الاحتلال المباشر أو بالوكالة وما التصق به من زبائنية وتبعية وفي سبيل استعادة الدولة وسموّ الدستور.
1. غنى الاختبار اللبناني: ترد جردة تاريخية للمجلس الدستوري اللبناني في الكتاب السنوي للمجلس الدستوري (مجلد 12، 2018، ص 267-271). وترد تفصيلاً حول مرحلة 2009-2019 في مذكرات رئيس المجلس الدستوري عصام سليمان (النهوض في مواجهة الانهيار: تجربتي في المجلس الدستوري، 2009-2019، منشورات الحلبي الحقوقية، 2022، 406 ص). ويرد الاختبار في السنوات 2009-2019 في مذكرات كاتب هذا المقال:
Méditation sur la justice: Mon expérience au Conseil constitutionnel, 2009-2019, 2021, 102 p.
2. كيف تمّت اختباريًا التعيينات؟ بعض السجالات، نقدًا أو في سبيل تعديل آليات التعيين، تفتقر إلى المنهجية العلمية الاختبارية. إن الدراسة التاريخية الاختبارية لكيفية تعيين أول مجلس دستوري سنة 1994،
ثمّ المجلس حيث كنت عضوًا (2009-2019)، ثم مجلس 2019-2025 هي بذاتها مليئة بالعبر! لا نورد معلومات متداولة بشأنها. أذكر أنه في ما يتعلّق بي شخصيًا انتخبت في المجلس النيابي في 18/12/2008 بالدورة الثانية. لم أتصل بأي نائب أو سياسي ولا أي مرجعية! أعتبر ذلك أعجوبة، أو نعمة إلهية، وبفضل رجال دولة. العبرة أن النقص ليس في القانون في حال توفر قيادة دولة ورئاسة دولة وحكومة "طبيعية" وليس برلمانًا مصغرًا. كل الأمل بالتالي أن يتم اختيار أعضاء المجلس الدستوري للسنوات 2025-2031 من شخصيات ذوات خبرة حقوقية وثقافية قصوى.
3. خبرة وعلم وثقافة وتراث: إن خبرة 25 سنة في القضاء والمحاماة والتعليم الجامعي هي مجرد مؤشر زمني، وزمني فقط، للخبرة ولكنها غير كافية إطلاقًا! تندرج القضايا التي تطرح على العدالة الدستورية في قمة فلسفة القانون. تندرج بعض القرارات في قمة العدالة الدستورية على المستوى العالمي بخاصة في السنوات 2009-2019 وغيرها. في قرارات أخرى يغوص المجلس الدستوري اللبناني في شؤون إجرائية معتمدًا نمطية سائدة في أوساط قانونية وقضائية كإخلاء مأجور أو تسديد دين! الحاجة إلى إجراء تقويم، ليس حصرًا من منطلق الأداء الإداري والتنظيمي، بل من منطلق مدى مساهمة المجلس الدستوري اللبناني، ولبنانيًا، طوال ثلاثين سنة في إغناء النظرية الحقوقية ومبادئ العدالة الدستورية، لبنانيًا وعربيًا ودوليًا!
أتوقف عند محطات أعتبرها سلبية في تحوّل المجلس الدستوري إلى هيئة ناخبة (الانتخابات الفرعية 2002)، وتعطيل النصاب (2013)، واعتبار الوزير ذا "سلطة مطلقة" (2020)، وتسخيف العدالة الدستورية في معالجة إجراءات وهروب من المعالجة (2025)...
أمّا إيجابيًا فأستخلص مساهمات ريادية عالميًا حول "الزمن والقانون" (2013) و "حماية دولة لبنان في دولة الحق" (2014)، وحق التملك والسكن والأمان القانوني (2014)، والحريات الدينية (2019)...
هل نذكر المعاناة في لبنان اليوم في معالجة قضايا الأماكن السكنية والتجارية المزمنة وكأنها موضوع إخلاء مأجور؟ أو معالجة شؤون دستورية مستجدة على نمطية تسديد دين؟ تنطبق هذه الملاحظات على مسار العدالة الدستورية عالميًا من خلال قراءة مذكرات رؤساء وأعضاء مجالس دستورية عريقة:
Jean-Louis Debré, Ce que je ne pouvais pas dire, Laffont, 2016.
Dominique Schnapper, Une sociologue au Conseil constitutionnel, Gallimard, 2010.
أصدر المجلس الدستوري في السنوات 2009-2019 أربعة عشر كتابًا، بينها الكتاب السنوي، وهي تتضمّن التقارير الوطنية لمؤتمرات عالمية حيث يتبيّن عمق التخصّصيّة والتجدّد والغوص في أرقى النظريات الحقوقية والخبرات المعاصرة والتي قد لا تتوفّر في مجرد خبرة مهنية زمنية في القضاء والمحاماة والتعليم الجامعي.
***
يعني ذلك أنّ عضوية المجلس الدستوري تتطلّب ليس مجرد قانونيين مارسوا المحاماة والقضاء والتعليم الجامعي، بل حقوقيين مؤلفين مساهمين مبدعين في التأليف والبحث والمشاركة العلمية والحقوقية والثقافية في الحياة العامة. من دون ذلك لا ننتظر إلّا قرارات على مستوى إخلاء مأجور أو تسديد دين، من دون تعمّق ولا أصالة ولا صوابية.
هذا جوهر مصطلح سموّ الدستور!
عضو المجلس الدستوري، 2009-2019