في علم الفيزياء، يقولون إنّ الألوان انعكاسٌ للضوء. وفي علم النفس، يقولون إنّ البنفسجي لون الهدوء والتوازن والتفرُّد. أما في علم العلاقات العاطفية، وتحديدًا في فرعَي الغموض العاطفي والسخرية النسائية الدقيقة، فالبنفسجيّ يتحوّل إلى سلاح دمار شامل، بخاصةٍ إذا كانت المرأة ترتديه خصيصًا لرجل لا يطيقه.
لست أقول هذا من باب النظريّة بل من قلب التجربة، أقسم لكم بأولادي العشرة، الذين لم أنجب لا واحدة ولا واحدًا منهم. ففي عز أيام الشباب، أي منذ سنتين أو ثلاث، أُعجب بي أحدهم، أو على الأقل، كان يعتقد أنه معجب بي. المشكلة؟ كان يكره اللون البنفسجي. والمشكلة الأكبر، أنني كنت أهوى ارتداء البنفسجي مذ كانت أمي تقنعني أنني أشبه زهرة البنفسج عندما أبكي.
متوفّر جدًا
أُعجب بي، فكرهت اهتمامه، لم يفعل شيئًا خاطئًا سوى أنه قال لي: "صباح الخير" كثيرًا، وأرسل أشواقاً بلا مناسبة، وكاد حتى أن يكتب لي شعرًا يُشبه النصوص التي تُلقى في حفلات المدرسة المتوسطة. لم يكن سيئًا، كان فقط، لطيفًا جدًا، حريصًا جدًا، "متوفِّرًا" جدًا. والمرأة لا تُعجب بالمتاح، بل بذاك الذي يبدو وكأنه موظف في إدارة الغموض العام.
ومنذ تلك اللحظة، لم أرتدِ غير البنفسجي، عندما كنّا شلّة من الصبايا والشباب نلتقي ونسهر ونضحك، وبراءة الأطفال في عيوننا وتصرفاتنا. بنفسجي في القميص، البنطلون، الشال، وحتى في ظلال العيون التي تجعلني أبدو وكأنني تلقّيت لكمةً أرجوانية من "كيوبيد" نفسه.
حرب الظلال
وكلّما شاهدتُ ذاك المعجب الرقيق في مناسبة مع الأصدقاء، تأكّدت من وجود قطعة بنفسجية في زينتي، وكأنني أمارس مقاومة صامتة، أو دعوة غير معلنة لمشاهدة "حرب الظلال". هو يكره البنفسجي؟ ممتاز. هذا يعني أنني اقتربت من المنطقة العاطفية الخطرة. فالحبّ يبدأ حيث يبدأ الاستفزاز، والثقل، والتجاهل، وفعل الأشياء الصغيرة التي تُفقد الطرف الآخر صوابه من دون أن يفهم لماذا. لِمَ كنت أتعمّد الوقوف في الزاوية التي يستطيع أن يراني منها جيدًا؟ كنت أتحدّث مع الجميع ومعه، وأضحك تلك الضحكة التي يعرفها جيدًا، ضحكتي غير الموجّهة إليه تحديدًا. كان الأمر يشبه لعبة شطرنج عاطفية، لكنني كنت ألعبها بفساتين سهرة.
كنت أعلم، نعم كنت أعلم أنّ هناك فرقًا كبيرًا بين من يُعجب بك، فتشعرين أنك محاصرة داخل فقاعة مديح، ومن يراك، فينقر على أعصابك، ويجبرك على أن تعيدي ترتيب البنفسج كلّه لأجله. وكنت أتساءل هل الحب حرب نفسية أنيقة؟ وهل البنفسجي، هو الزيّ الرسمي لهذه الحرب؟!
في كل لقاء، كنت أرتدي البنفسجي وكأنني أوزّع دعوات غير رسمية للعُصاب الجماعي. كان يرمقني بنظرة لا تعرف هل تكرهني أم تكره شركة النسيج التي صنعت فستاني. وهو، بحُكم طبعه البارد، لم يكن يبوح. لكنه بدأ يغيّر سلوكه. جلساته صارت أقصر، نكاته أكثر جفافًا، وبدا وكأنه يهرب منّي بالبطء الاستراتيجي للمحارب الذي لا يريد أن يُهزم أمام امرأة تتقن الهجوم عبر لوحة الألوان. أنا؟ كنت صاخبة كعادتي. أرتشف القهوة، أبتسم، أضحك وأقهقه، وأترك خلفي عطري البنفسجي "Turbulence" وعبثي الرمزي، تمامًا كما تفعل الألغام حين تُزرع بابتسامة.
دراما الإعجاب
الإعجاب به، من جانبي، لم يكن خفقان قلب، بل خفقان فرشاة ظلال العيون، كنت أقف أمام المرآة كما تقف الجاسوسات قبل المهمة الكبرى: أضبط الزاوية، أمدّ خط الكحل، ثم أختار اللون البنفسجي، لا لأنني أعشقه فقط، بل لأنه يزعجه حتى في الرمش. هو يعتقد أن البنفسجي لون "استعراضي غير واقعي"، وربما حتى "درامي". وأنا؟ أنا امرأة تُتقن الدراما حين يقتضي الأمر ذلك، وتدّعي الواقعية حين تُحرجها المشاعر.
في كل مرّة شاهدني، بدا وكأنه يسأل نفسه: "لماذا لا تتوقف؟ ألا تملك خزانة أخرى؟ وكنت أجيبه، بصمت، من خلال درج مكياجي: "عزيزي، أنا لا أكرّر اللون، بل أُعمّقه، أُصعّده، أروّضه حتى يصير أداة بلاغية". كنت أرتدي البنفسجي وكأنني أقدّم احتجاجًا ناعمًا ضدّ فكرته عن المرأة، عن الذوق، وعني أنا تحديدًا.
وما الإعجاب في نهاية المطاف؟ هو ظلال عيون مركّبة، قليل من الذكاء، كثير من التوقيت الصائب، وشيء من الوقاحة المحبّبة التي تجعل الرجل يسأل نفسه: "هل هذه تكرهني؟ أم تفتنني؟" الجواب؟ لا جواب.
حبّ غير معترف به
ليس كلّ ما نفعله دافعه الحب أو الإعجاب، فبعض الأفعال تنشأ من الرغبة العميقة في "التنغيص" الراقي.
أن تثير شخصًا معجبًا بك وفي بالك آخر، بمنتهى الأناقة، هو نوع من الانتقام الصامت، وأنا كنت قائدة هذه الحملة البنفسجية. لكم أن تتخيلوا الوضع: رجل لا يحبّ هذا اللون، يقف وسط دائرة أصدقاء، بينما أنا أبدو وكأنني خرجت للتوّ من أحد عروض أزياء "زهرة الأوركيد المتمرّدة". وهناك، بين الضحك العام ونظراته المشحونة، كنت أقطف متعة صغيرة، خفيّة، لا يمكنه وصفها أو إنكارها.
هل كنت أحاول أن أجعله يحبّني؟ لا أظنّ، لكني بالتأكيد لم أُرد أن ينساني بسهولة، البنفسجي لم يكن مجرّد لون – كان صدى، أثرًا، شوكة ناعمة في ذاكرته. و "الحكي بيناتنا"، أليس هذا هو الإعجاب الحقيقي؟ ألا يتذكّر الناس من أزعجهم أكثر ممّن أحبّهم؟ ألا يعيش في قلوبنا ذلك الذي لم يعطنا فرصة، أكثر من ذاك الذي قدّم لنا نفسه مع بطاقة هدايا وعلبة شوكولا؟ أنا لم أرتدِ البنفسجي له، لكنني ارتديته تمامًا في وجهه.
عرض أزياء
من فرط ما كنت أرتدي البنفسجيّ أمامه، بدأ أصدقاؤنا يشكّون أنني أُعاني من نقص حاد في الألوان الأساسية.
أحدهم سألني مرة: "عندك صفقة مع شركة عنب؟". ضحك الجميع، ضحكتُ معهم ضحكتي المعتادة، تلك التي تعني: "لو تعرفون الحقيقة لبكيتم، بكل تواضع، من عبقريّتي". الطريف أنّ صاحبنا، المعنيّ بكلّ هذا العرض البصري، بدأ يدخل اللقاءات الجماعية متوترًا وكأنه ذاهب إلى مناظرة سياسية، لا جلسة قهوة.
كنت أراقبه وهو يتحاشى النظر نحوي كما يتحاشى الصائم بائع الكنافة.
أحدهم لاحظ وقال له:
– "مش شايف إنو لونها حلو؟"
فردّ بحنق ساخر:
– "هيدا مش لون، هيدي مؤامرة!". وكنت أبتسم، وأرتشف العصير البنفسجي – عنب طبعًا – فقط لأكمل المشهد بطريقة سينمائية تليق بي. في لقاء لاحق، جاء مرتديًا قميصًا "أخضر زيتوني"، نظرت إليه بتلك النظرة النسائية العميقة التي تجمع بين الشماتة والاحتيال، وقلت بهدوء: "الله… اللون عامل "contrast" حلو كتير مع البنفسجي". كاد يختنق بالماء.
هنا، عرفت أنني اقتربتُ من النصر، أو الجنون، أو كليهما. لكن طالما أنّ البنفسجي يربح في النهاية، فليذهب الاتزان العقلي إلى الجحيم.
البنفسجي لا يُغسل بسهولة
في النهاية، قد يظن البعض أنني كنتُ أتصرّف بطفولية، أو بتحدٍ سخيف، أو حتى أنني "مهووسة لونيًّا".
لكن لا، يا عزيزي، فقد كنت أمارس فنًا عاطفيًا معقّدًا، يُدرّس في أكاديميات الحب الخفي ومناورات المشاعر المبطّنة.
البنفسجي لم يكن مجرّد لون، كان بيانًا، كان إعلانًا صامتًا يقول: "أنا أعلم أنك تكره هذا اللون، لذا سأرتديه بحبّ، بابتسامة، وبمقدار يزعج ذوقك. إنما يجعلك تفهم من دون أن أجرحك، أنني مسحورة بآخر".
هل أحبّني؟ لست أدري. هل كرهني؟ ربما. هل نسيني؟ من يدري؟ لكنه بالتأكيد يستحضرني في كلّ مرّة يرى فيها ظلًّا بنفسجيًّا على جدار، أو غلاف شوكولا، أو حتى إعلان منظِّف غسيل. وربما، في لحظة ما، بينما يتجوّل في "سوبرماركت الحياة"، سيرى امرأة ترتدي هذا اللون، فيقول لنفسه: "الله يسامحها، كانت تعرف بالضبط ماذا تفعل". وأنا، من بعيد، سأضحك، ضحكتي المعتادة، التي لا تُفهم، ولا تُنسى، ولا تُغسل بسهولة... مثل البنفسجي تمامًا.



