ريتا عازار

"الوَكس" على جدران متحف باريسي

حين يتحوّل النسيج إلى مرآة لهويّة قارة بأكملها

7 دقائق للقراءة

في قاعة من قاعات "المتحف الوطني للإنسان" في باريس، وبين الجدران المزيّنة بأقمشة نابضة بالألوان والقصص، يروي المعرض الجديد "حكاية الوَكس" (Wax print)، ذلك القماش الذي بات، عن استحقاق، رمزًا بصريًا جامعًا للقارة الأفريقية، رغم أنّ أصوله أبعد ما تكون عن أفريقيا نفسها. المعرض يُقام ضمن الموسم الثقافي الذي يخصّصه المتحف لموضوع "الهجرات"، وليس هناك أفضل من "الوَكس" ليجسّد هذه الرحلة الثقافية الفريدة، العابرة للقارات، والمفعمة بالتحولات.



عندما يُقال "وَكس"، يقفز إلى الذهن مباشرة الطابع الأفريقي الجريء، الزاهي، والمفعم بالحياة، والذي عرفه أبناء لبنان الذين هاجروا إلى أفريقيا تحت مسمى الـ "print". لكن المدهش أن هذا النسيج لم يولد في القارة السمراء. في الواقع، نشأ قماش "الوَكس" في مناطق بعيدة تمامًا: في جاوة الإندونيسية، حيث كان يُصنع بتقنية "الباتيك" التقليدية التي تعتمد على الشمع في زخرفة القماش.


في منتصف القرن التاسع عشر، وأثناء الحقبة الاستعمارية، بدأ الصناعيّون الهولنديّون في محاولة تقليد هذا الفن اليدويّ الإندونيسيّ باستخدام آلات صناعية حديثة. أنتجوا قماشًا بطبعات مشابهة لتلك المستخدمة في "الباتيك"، لكن بأسلوب صناعي، قادر على الطباعة على جانبَي النسيج، وكان ذلك إنجاز تقني مثير آنذاك. إلا أنّ السوق الإندونيسي لم يستقبل هذا المنتَج الصناعي بحفاوة. لم يجد "الوَكس" صدى في بلاده الأم، بل انتظر ليبدأ مساره الفريد في القارة الأفريقية.


الفضل في ذلك، ولو بصورة غير مباشرة، يعود إلى الجنود والمبشّرين الأوروبيّين الذين حملوا هذا النسيج معهم إلى أفريقيا خلال تنقّلاتهم العسكرية والدينية. في غرب أفريقيا، بدأ "الوَكس" يلقى إعجابًا متزايدًا، بخاصة في المجتمعات الساحلية. هناك، شكّل هذا القماش نقلة نوعية في عالم النسيج، إذ تفوّق بجودته وطابعه اللوني الغني على الأقمشة التقليدية، التي كانت تُنسج يدويًا وتُصبغ بخلاصات طبيعية من النيلة وجوز الكولا.


دَور"الهولنديّين السود"

من أبرز الحلقات الغريبة في تاريخ "الوَكس"، هي تلك المتعلقة بجنود من ساحل الذهب (غانا اليوم)، الذين جُنِّدوا ضمن الجيش الاستعماري الهولندي في إندونيسيا ما بين عامَي 1842 و1872، وعُرفوا بـ "Belanda Hitam" أو "الهولنديون السود". هؤلاء الجنود، رغم أنّ عددًا قليلاً فقط منهم عاد إلى أفريقيا، نقلوا معهم ذكريات وأسلوب حياة أهل جاوة، ومنها عشق "الباتيك"، الذي أصبح جزءًا من الوعي الجماعي في غانا، هذا التفاعل بين الجنود الأفارقة والثقافة الآسيوية أسهم في تمهيد الأرضية لقبول "الوَكس" لاحقًا، بعد تصنيعه الأوروبي وتصديره إلى غرب أفريقيا.


لغة اجتماعية

ما بدأ كنموذج أجنبي دخيل، تحوّل تدريجيًا إلى لغة بصريّة غنيّة ذات طابع محلي. في القرن العشرين، ومع انتشار "الوَكس" في أسواق كبرى من دكار إلى كينشاسا، ومن أبيدجان إلى باماكو، لم يعد القماش مجرَّد منتَج للاستعمال اليومي أو الاحتفالي، بل أصبح وسيلة للتواصل، تعكس الطموحات والهموم والعلاقات الاجتماعيّة.

قصص مرئيّة مطرّزة بالخيوط، تحت زخارف "الوَكس" تكمن معاني أعمق ممّا تراه العين. مثلًا:

• حقيبة "ميشيل أوباما"، رمز للفخر والرغبة في النجاح والارتقاء.

• طيور تهرب من القفص، دلالة على امرأة تحرّرت من علاقة خانقة.

• محفظة نقود تجسّد الحلم بالثروة والوفرة.

• "عين منافستي"، تعبير عن الغيرة أو التوتر بين النساء.

• "الصنادل في الانتظار"، شغف خفيّ لامتلاك كعب فاخر.

ما يُدهش هنا هو كيف أعيد توجيه المعنى الأوّليّ للرموز وتحميلها بدلالات اجتماعية، كلّ قطعة قماش تُقرأ كرسالة، وكلّ زخرفة تحمل رأيًا، حلمًا، أو حتى تعبيرًا عن موقف.


شركات وسيدات أعمال مؤثّرات

حتى السبعينات، كانت شركات أوروبية تهيمن على سوق "الوَكس"، أبرزها: "ABC" البريطانية، و "Vlisco" الهولندية، و "CFAO"  الفرنسيّة. 

لكن مع تصاعد الحركات الوطنية والإستقلالية في أفريقيا، ظهرت محاولات محلية لصناعة "الوَكس"، عبر شركات مثل "Uniwax"  في ساحل العاج، و "United Africa Company" في نيجيريا.

خلال فترة ما بعد الاستقلال، تألقت مجموعة من التاجرات التوغوليات في لومي، عاصمة توغو، عُرفن بلقب "نانا بنز"، الاسم مستمد من سيارات المرسيدس "بنز" الفاخرة التي كنّ يمتلكنها، دلالة على ثرائهنّ ونفوذهنّ. من أشهرهن ماما كريبي (Dédé Rose Creppy)، التي سيطرت على نحو 40% من سوق "الوَكس" في المنطقة خلال الفترة الممتدة من 1976 إلى 1984.

هؤلاء السيدات لم يكنّ مجرّد تاجرات، بل رائدات أعمال فعليّات. استثمرن أرباحهنّ في التعليم والعقارات، بل ودخلن معترك السياسة. الأقمشة التي بعنها كانت تنقل رسائل اجتماعية وسياسية، ما جعل منهن رموزًا للتمكين الاقتصادي النسائي في القارة.


مفارقة استعمارية ساخرة

وفي مشهد معكوس شبيه بحركة "البوميرانغ"، عاد" الوَكس"، هذا المنتج الاستعماري في الأصل، ليغزوَ الغرب من جديد. لم تعد زخارفه حكرًا على أسواق أبيدجان أو لومي، بل تسلّلت إلى عروض الأزياء الراقية في باريس، نيويورك، ومدريد. حتى "دار ديور" استخدمته في مجموعة "Cruise 2020"، في مشهد أثار جدلًا حول الاستحواذ الثقافي وسؤال الملكية البصرية.

في الوقت ذاته، استعاد فنانو الشتات الإفريقي هذا القماش، ليس فقط كأداة فنية، بل كمنصّة للتعبير السياسي والثقافي، أو حتى كوسيلة للسخرية من الموروث الاستعماري.


بين الاستدامة والهوية

اليوم، يواجه قماش "الوَكس" تحدّيات مزدوجة، الغزو الصناعي من الصين والهند، اللَّذَين أغرقا الأسواق بمنتجات سريعة ورخيصة. وصراع الهوية بين الأصالة والموضة، بين "African Chic" و"Fast Fashion".

رغم ذلك، تبقى شركات مثل "GTP" في غانا و "Uniwax" في ساحل العاج متمسّكة بالجودة والإنتاج المحلي، وحاليًا الجيل الجديد، خصوصًا في الشتات، يُعيد اكتشاف "الوَكس" كرمز للفخر الثقافي والانتماء، لا كمجرد موضة.

لا يمكن الحديث عن "الوَكس" من دون التطرّق إلى رمزيّته المركّبة التي تتجاوز الشكل والجمال، لتغوص في عمق التمثّلات الثقافية والهوية الجماعية، فالمرأة الإفريقية التي ترتدي "الوَكس" تلبس موقفًا، تاريخًا، وشهادة على الاستقلال الداخلي والخارجي. في حفلات الزفاف، في المآتم، وحتى في المظاهرات، يحضر "الوَكس" بوصفه لغة لا تُقال بل تُرى. وهو ما يجعل من هذا القماش عنصرًا حيًا متغيّرًا، قادرًا على التعبير عن التقاليد كما عن التحديث. وبينما قد يبدو للبعض أنه مجرّد زينة سطحية، إلا أنّ "الوَكس" في أفريقيا يُعدّ بمثابة صفحة تُكتب كل يوم، تنقل حكايات العائلة، والعشق، والخيانة، والحلم، والسياسة. فكل قطعة مختارة بعناية، وكل نقشة تحمل رسالة، حتى إنّ بعض النساء يحتفظن بملابس "الوَكس" كأرشيف شخصي وعائلي، يعكس تحولات حياتهنّ. إنه نسيج يحمل في طياته حياة كاملة، ويحوّل الجسد إلى مساحة سرد صامتة، لكنها بليغة.


حين تنطق الخيوط

قماش "الوَكس" هو أكثر من مجرّد نسيج، إنه سجلّ حيّ لتحوّلات اقتصادية، سياسية، وثقافية؛ هو مرآة لتطلّعات قارة بأكملها، تجسّدت عبر الألوان والرموز. ما يقدّمه معرض "المتحف الوطني للإنسان" ليس مجرّد تاريخ قماش، بل ملحمة إنسانية، حيث تتشابك الخيوط مع الهجرة، الاستعمار، التمكين، والهوية، في لوحة بصريّة لا تقل تعقيدًا عن أي سردية تاريخية أخرى.



سرد بصريّ متعدّد الطبقات

المعرض الذي يحتضنه "Musée de l’Homme" يروي حكاية متكاملة عن تطوّر "الوَكس"، من جاوة إلى باريس. ما يميّزه هو التنظيم الزمنيّ الواضح، الذي يساعد الزائر على تتبّع التحولات التاريخية والثقافية، والواجهات البصريّة المفصّلة لأصول القماش وتقنيات تصنيعه، وكذلك التنوّع في المعروضات من التصاميم التقليديّة إلى الإبداعات الفنية الحديثة.

وعلى الرغم من ثراء المعرض، إلا أنه يعاني، بحسب النقاد، من بعض التوزيع المربك، لكونه يمتدّ على طابقَين، ما يُصعّب أحيانًا تتبّع التسلسل الزمني. كما أنّ القسم المخصّص للفن المعاصر يغلب عليه تمثيل الفنانين من أفريقيا الفرنكوفونية، مع غياب لافت لتمثيل الشتات الأفريقي من أميركا أو بريطانيا. 





صورة لعمر فيكتور ديوب خادي (2011)