بعد مُقدّمةٍ تجعلُ الأمل شبه مُستحيل في هذا البلد، ومنذ المشهد الافتتاحي الذي يُستكمل بزخمٍ تصاعدي في لقطةٍ واحدةٍ مشحونة (one-shot sequence)، يَعِدُ فيلم "DISORDER" أو "مشقلب" باللّبنانيّة العاميّة، بأن يكون إدانةً لا هوادة فيها لما وصلنا اليه اليوم!
الفيلم قراءة جريئة لما رافق لبنان من اضطرابات بدءًا بانتفاضة 2019، الانهيار الاقتصادي، انهيار العُملة، جائحة كورونا، انفجار مرفأ بيروت (2020) وصولًا الى الأزمات السّياسية المُتتالية. وفي ذلك نجد شهادة سينمائيّة صادقة على التّأثير النّفسي لانهيار لبنان على أبنائه، وتحديدًا جيل الشباب، إضافةً الى توثيقٍ جديدٍ ولو بدا مُغايرًا لِما غاب حتّى هذه اللّحظة عن كتاب التّاريخ.
لبنان في تأمُّلات ساخرة
فيلم "Disorder – مشقلب" لا يُقدّم إجابات، بل يرمي بأسئلته في وجهنا مثل قنابل دخانيّة، تصدم من دون أن تخنق وتؤثّر من دون أن تُدمع. هو عمل أنثولوجي لبناني يتكوّن من أربعة أفلام قصيرة، أخرجها كلّ من لوسيان بو رجيلي، بان فقيه، وسام شرف وأريج محمود. إنه ليس فيلماً واحداً بقدر ما هو أربعة انعكاسات مُتقاطِعة للانهيار اللّبناني، تطرح الفوضى كفكرة، كواقع، وكهوية.
يبدأ الفيلم بقصة "المجموعة"، التي يوقّعها لوسيان بو رجيلي. هنا، نحن أمام مجموعة شبابيّة تنشط في الحراك المدني، تُفاجأ بأنّها مُخترقة أمنيًا. الخوف، الشك والخيانة، كلّها تنخر النّسيج الهشّ للثقة. يُحاكي الفيلم الانقسام الدّاخلي الذي أصاب انتفاضة 2019، ويطرح سؤالًا مرًّا... ما جدوى الثّورة إذا كان الانهيار يبدأ من الداخل؟
أمّا "في ضواحي بيروت" من إخراج بان فقيه، فيتحوّل مشهد حواريّ بين أم وابنتها إلى صراع وجودي على مفهوم الحُريّة والانتماء. الأم المُتمسّكة بالزّعيم، في مُواجهة الابنة المُتمرّدة… كلاهما ضحيّة، ولكن على طرفَي نقيض. المشهد يعكس "كاريكاتير" الوطن... جدل لا ينتهي، وعلاقات مكسورة بين الأجيال.
في ثالث أجزاء الفيلم، "لا داعي للهلع" من توقيع وسام شرف، يختار السّيناريو أن يمشي بخفّة فوق جرح عميق. مُدرّب تنمية بشريّة (Life Coach) يجد نفسه عاطلًا عن العمل في بلدٍ لا يسمح بالأمل. ينهار داخليًا ليُصبح هو نفسه مادّة للسخرية. هنا، الكوميديا السّوداء ليست فقط أداة، بل وسيلة للبقاء.
وفي الجزء الرّابع والأخير، "قطعة سما"، الذي أخرجته أريج محمود، ننتقل إلى مساحة سُريالية، في قصّة نيزك يسقُط فوق بيروت. رجل يتحدَّث إلى نفسه. المدينة صامتة ومهجورة. صوت في الخلفيّة يُردّد تحذيرات مُتكررّة. نغرق في رمزيّة مُركّبة تعكس عزلة جماعيّة وفُقدان القدرة على الفعل. لحظة توقّف كونية وسط انفجار اللامعنى!
مقصّ الرّقابة
لم نُفاجأ حين سمعنا أنَّ الفيلم كاد يُمنع عرضه في صالات السّينما اللّبنانيّة بسبب أحد مشاهده الجريئة في واقعيّتها، إذ إنَّ السّينما اللّبنانيّة تقع دائمًا ضحيّة مواجهة الرّقابة القمعيّة!
تواصلنا مع المُخرج لوسيان بو رجيلي للاستيضاح عن منع عرض الفيلم، فقال: "جاء حظر الفيلم مُحبِطًا بالطّبع، إذ أدّى إلى تأخير إطلاقه لمُدّة أسبوع، بعد أن كان مُقرّرًا إطلاقه في الثالث من تمّوز.
وعندما يبتكر صانع فيلم قصّة ذات حبكة وإيقاع ونبرة مُحدّدة، فإنَّ أيّ تعديلات رقابيّة مفروضة ستؤثّر حتمًا على تلك الرّؤية وعلى تسلسل أحداث الفيلم وتجربة الجمهور". وتابع بو رجيلي: "عُرضت النّسخة الأصليّة من الفيلم دون أيّ اعتراض في العديد من دول المنطقة (حتّى أنها فازت بجائزة "سينما من أجل الإنسانية" - "جائزة الجمهور" في "مهرجان الجونة السّينمائي")، لذا فإنّ القرار المحلي باقتطاع مشاهد من الفيلم يبدو قمعيًا بشكلٍ خاص، ويعطي للأسف شعورًا عامًا بأنّ البلاد لا تسير في الاتجاه الصحيح! هو ما يعكُس وللمُفارقة، العديد من المواضيع التي تناولها الفيلم نفسه.
ولهذا السَّبب، للأسف، ليس مُفاجئًا". وأمل بو رجيلي في حديثه مع "نداء الوطن" أن يمتدّ الحوار الذي يُثيره الفيلم اليوم إلى ما هو أبعد من الشاشة، "ليشمل تفكيرًا أوسع حول حقوقنا الدّستورية في حريّة التّعبير، وإيجاد طرق لدعم ورعاية القطاعات الثّقافية والفنيّة بدلاً من عرقلة تقدّمها".
من النّكتة الى النّكبة
ما يميّز الفيلم هو جرأته على اقتراح أنَّ الفوضى ليست مُجرَّد خلفيّة دراميّة، بل هي البطل الحقيقي. الكاميرا، غالبًا تُراقب من دون أن تتدخَّل، تترك للشّخصيات أن تنهار أو تتهكَّم أو تضحك باكية. الفيلم بأجزائه الأربعة، لا يسعى للشدّ السينمائي المألوف، بل يُفضّل خنق المشاهد في زوايا المشهد، ليشعر بالحصار ذاته الذي تعيشه الشّخصيات.
الأداء التمثيلي هو أحد أعمدة الفيلم. المُمثّلون يارا بو حيدر، منال عيسى، حنان حاج علي، رودريغ سليمان، سعيد سرحان، فرح شاعر، وآخرون، يُقدّمون حضورًا طبيعيًا، أقرب منه إلى الوثائقي. لا مُبالغة ولا مُحاولة للتّجميل. نحن أمام بشر حقيقيّين يعيشون الكارثة ولا يمثّلونها فقط!
الإخراج المُتعدد، ورغم تنوّعه، استطاع الحفاظ على خيط درامي نفسي مشترك... في أبعاد الضّياع، الشك، العزلة والسّخرية كوسيلة دفاع. هذه الوحدة في الاضطراب تصنع تماسكًا غير مرئيّ، يُشعر المشاهد بأن الفيلم، رغم اختلاف الأصوات، نابع من قلبٍ واحدٍ مكسور.
مزيد من التعمُّق قليل من الرمزيّة
أمّا السيناريو في بعض أجزاء الفيلم – خصوصًا "في ضواحي بيروت" و"قطعة سما" – يميل إلى التّنميط الرّمزي بدل العمق الدرامي. الأم والابنة في حالة شجار سياسي - عائلي - تقليدي، يُعاد تكراره في السّنوات الماضية. أمّا في "قطعة سما"، فسقوط النيزك يبدو مُجرَّد استعارة سرياليّة أُقحمت على المشهد السّياسي، في نوعٍ من الرمزيّة المُفرطة من دون توظيف درامي، ما يجعل الفيلم في بعض لحظاته يحتاج الى مُعالجة فكريّة متأنّية.
كما تُصاب بعض القصص ببرودة عاطفيّة واضحة. نأخذ مثلًا "لا داعي للهلع"، حيث يُصوَّر رجل يعاني من القلق وفُقدان السيطرة، لكن من دون خلفيّة إنسانيّة حقيقيّة. ما نراه هو شخصية مرسومة كفكرة وليس ككائن حي. النتيجة؟ تعاطف المُشاهد يبقى سطحيًا، لأن الشّخصيات لا تُبنى كفاية لتُحبّ أو تُفهم.
وأدّى قصر المُدَّة الزمنيّة لكل جزء (حوالى 20 دقيقة) الى إضعاف بعض الحبكات، حيث أتت الرمزيّة – خاصةً في الجزء الأخير – ثقيلة ومُحمّلة أكثر من اللازم. ولعلَّ بعض المُعتقدات السّينمائيّة تُبرّر على أنَّ هذا الضّعف، هو جزء من المعمار الدّرامي نفسه، فالفوضى لا تُحكى كاملة، بل تُلمَّح فقط. إلّا أنَّه أدّى برأيي، إلى تفوّق نيّة الطّموح السّينمائي على اكتمال نُضج التّوافق الرؤيوي للأجزاء الأربعة!
مساحة لصوت الناس
"Disorder – مشقلب" ليس فيلمًا تقليديًا، بل عمل تركيبيّ، بصريّ ونفسيّ يعكس عطبًا اجتماعيًا مُمتدًا. إنه شريط صوت وصورة عن بلدٍ يعيش على حافّة نفسه، وفي الوقت ذاته شهادة فنيّة جريئة على أنَّ السّينما ما زالت قادرة على لمس الجرح من دون أن تستغلّه. ليس فيلمًا يُنسى بعد العرض، بل يبقى في داخلك كارتداد صدمة. وفي زمن الانهيارات، تبقى إحدى تأثيرات السّينما الحقيقية، أن تُذكّرك بأنك ما زلت تشعر، بأنك ما زلت موجودًا!
بدءًا من الغد، تتحرَّر عروض الفيلم المبتور لتنطلق في مُختلف صالات السّينما اللّبنانيّة.
