شربل صيّاح

أمريكا لا تحسم، إيران لا تنهار، ولبنان لا يقرّر: ثلاثية الشرق المضطرّب

4 دقائق للقراءة

في عالم السياسة، ليس هناك نصر نهائي، ولا هزيمة أبدية. كل لحظة “حسم” هي قوس مفتوح على احتمالات لا تُحصى. وكل ما يبدو قرارًا صارمًا، هو في جوهره تكتيك مؤقت بلباس الاستراتيجية. هنا تكمن قوة أمريكا، وهنا تكمن مشكلة لبنان، وهنا أيضًا، تعيش إيران.

أمريكا… فن إدارة الفوضى لا قتلها

لطالما وُصفت السياسة الأمريكية بأنها مترددة، أو انتقائية، أو انتهازية. لكن الحقيقة أبعد وأدق: أمريكا لا تهدف إلى الحسم بقدر ما تهدف إلى إعادة توزيع موازين القوى، ثم إدارة ما ينشأ من ذلك. الضربة العسكرية ليست نهاية، بل استثمار طويل الأجل في مستقبل غير مستقر

ما حدث قبل أسابيع في إيران يؤكد ذلك. الضربة وقعت. لكنها لم تكن تهدف إلى تدمير النظام، بل إلى ضبط سلوكه، خفض منسوب التصعيد، وإرسال إشارات مشفّرة للحلفاء والخصوم على السواء. واشنطن لا تبحث عن سقوط طهران، بل عن بقاءها في حالة “تحكّم بالأزمات”، لا أكثر. إنها سياسة الاحتواء لا الاجتثاث

وهنا جوهر المدرسة الأمريكية منذ الحرب العالمية الثانية: الردع الديناميكي لا الردع الثابت. كل شيء قابل للتغيير، لكن لا شيء يُمحى تمامًا

إيران… الدولة التي تتنفس من تحت الركام

على الطرف الآخر، لا تعيش إيران بالمعايير الغربية للدولة الحديثة. إنها كيان تشكّل من الخسارات الكبرى، وصعد من رُكام الثورات والانقلابات والحروب. العقيدة الحاكمة في طهران ليست عقيدة سيطرة، بل عقيدة بقاء

الحرس الثوري ليس جيشًا، بل مؤسسة أيديولوجية، اقتصادية، وأمنية. “العقيدة الخمينية” ، ربّما ، لا ترى في الضربة هزيمة، بل اختبارًا للتماسك، وفرصة لإعادة توزيع الولاء داخل الدولة والمجتمع

صمدت إيران بالحدّ الأدنى بعد الضّربة الأميريكية العنيفة ، لا لأن ميزان القوة لصالحها، بل لأنها مصمّمة لتحيا في الهامش ، في المنطقة الرمادية ، حيث لا نصر كامل ولا سقوط كامل

إيران لا تسقط لأنها لا تكتمل أصلًا

لبنان… الحيرة الوجودية بين الدولة والدور

أما لبنان، فهو حالة فريدة. ليس فقط في هشاشته، بل في التناقض العميق بين صورته عن نفسه، وحقيقته كما هي. منذ نشأته، يحاول لبنان أن يكون دولة، لكنه غالبًا ما يتصرّف كميدان. اليوم، في ظل محاولة إعادة بناء الهيبة الوطنية، نرى قيادة تبدو حريصة، ربما مخلصة، لكنها محاصَرة بنظام لا ينتج قرارًا، بل ينتج تسويات

الرئيس جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام يحملان مشروعًا لاستعادة الدولة، لكن هذا المشروع يصطدم بجدار ثابت: سلاح خارج الدولة لا تعلو عليه الدولة. وما هو أخطر من السلاح نفسه، هو الخطاب الذي يُقايضه. حين يُقال إن سلاح حزب الله مرتبط بالانسحاب الإسرائيلي، أو بمبادرة أمريكية، أو برغبة إقليمية، فنحن لا نتحدث عن سيادة، بل عن انتظار سيادة

والأخطر أن المبعوث الأمريكي، بتصريح بسيط ظاهريًا، وضع الدولة اللبنانية أمام مرآتها حين قال: “مسألة حزب الله شأن لبناني داخلي”. هذا ليس تفويضًا، بل تخلٍّ مهذّب. أمريكا تقول للبنان: احسموا أموركم، ثم تعالوا إلينا. لا تطلبوا منا أن نحلّ ما لم تحسموه أنتم

من يجرؤ على تعريف دوره من جديد؟

في النهاية، أمريكا تعرف أنها تلعب على الوقت، لا على النتائج. إيران تعرف أنها خُلقت لتصمد، لا لتربح. أما لبنان، فهو الوحيد الذي لا يعرف: هل هو طرف؟ أم مسرح؟ هل هو دولة؟ أم كيان قابل للتمدد والانكماش حسب ميزان الآخرين؟

ما ينقص لبنان ليس “الفرصة”، بل الجرأة على اتخاذ القرار الصعب

صحيح أنّ السّياسة هي لعبة الجولات اللّامتناهية و اللّامشروطة ، لكن لا تبدأ الجولة إلا حين تُحسم القيم الأساسية

في السياسة، لا يُقاس وزن الدول بعدد معاركها، بل بقدرتها على أن تكون هي نفسها الخصم والحَكم، في اللحظة التي تختلط فيها الأدوار وتسقط الأقنعة.

الدولة الحقيقية ليست من تنتصر دائمًا، بل من تملك شجاعة الاعتراف بأنها لم تعد تشبه نفسها… وتبدأ من هناك