مازن مجوز

العصر الرقمي في لبنان: هل تواكب الدولة إيقاع التكنولوجيا؟

6 دقائق للقراءة

"الأهمّ من أن نتقدّم بسرعة هو أن نتقدّم في الاتجاه الصحيح"، إذ ليس الهدف من استخدام الذكاء الاصطناعي في محو الأمية الرقمية هو تطوير الوسائل والتقنيات، بل الخير الذي يمكن أن يتحقّق من خلال هذا الدمج، فكما أنّ البصر لا ينفع ما لم يُرَ به شيء، كذلك العلم لا ينفع ما لم يوجّه إلى غاية خيّرة وهذا لا يتمّ إلّا من خلال تحوّل الذكاء الاصطناعي من أداة تقنية إلى مدخل لتعزيز العدالة الرقمية والحقّ في التعلّم، خصوصًا في البيئات التي لم تتوفّر لها شروط النموّ الرقمي المتكافئ، ومن بينها مدن وقرى الأطراف التي تعاني أساسًا من التهميش والحرمان منذ سنوات طويلة.


فالجهل الحقيقي ليس في غياب المعرفة بل في رفض اكتسابها، فكيف الحال باللبنانيين في ظلّ غياب سياسة وطنية واضحة لدمج الذكاء الاصطناعي في محو الأمية الرقمية؟


ثورة غير مسبوقة

يظهر الواقع في لبنان أنّ التعليم الرقمي لم يعد ترفًا، بل أصبح حاجة مهمّة، خصوصًا في ضوء التطوّر التكنولوجي المتسارع والاعتماد المتزايد على أدوات الذكاء الاصطناعي في الحياة اليومية.


وفي هذا السياق، تعلّق الدكتورة في الإعلام والذكاء الاصطناعي والأستاذة المحاضرة في الجامعة الأميركية في دبي وفي بيروت سالي حمود بأن العالم يشهد اليوم ثورة غير مسبوقة في مجال الذكاء الاصطناعي، لا تقتصر على المؤسّسات التعليمية فحسب، بل تمتدّ إلى القطاعات كافة، بما فيها التجارية والخدمية، إلّا أنّ هذه الثورة لا تزال في مرحلة من الفوضى في لبنان، حيث تسعى المؤسّسات إلى فهم كيفية بناء استراتيجيات فعّالة للذكاء الاصطناعي، تتجاوز مجرّد التركيز على البنية التحتية التقنية.


وبرأي حمود، لا ينحصر التحدّي الأساسي في هذه المرحلة بالتقنيات فقط، بل بالعنصر البشريّ، الذي يُعدّ الحلقة الأقوى والأكثر تأثيرًا في إنجاح التحوّل الرقمي. لذلك، من الضروري العمل على تعزيز قدرات المواطن اللبناني، وتمكينه من التفاعل الواعي والفعّال مع البيئة الرقمية.

وفي ظلّ ما يتيحه الذكاء الاصطناعي من أدوات هائلة لتقليص الفجوات المعرفية والاجتماعية، تؤكد حمود أنّ لبنان لا يزال بحاجة إلى رفع مستوى الثقافة المرتبطة به، أو ما يعرف بـ AI Literacy، تمامًا كما حصل سابقًا مع ثقافة الإعلام بعد ظهور الإنترنت.

فعلى أرض الواقع، ظهر العديد من المبادرات "الرقمية" ولكن لا تزال الجهود مشتّتة، لذلك ترى حمود أنّ  المطلوب اليوم وضع استراتيجيات وطنية موحّدة تجمع بين مختلف الأطراف، بعيدًا من العمل الفردي الذي يعيد اختراع العجلة.


الموضوع ليس تقنيًا فقط

بدوره، يرى الخبير في مجال التحوّل الرقمي والحوكمة الرقمية رودي شوشاني، أنه اليوم مع عصر الذكاء الاصطناعي، الأمور تغيّرت كثيرًا. الذكاء الاصطناعي يساعد كثيرًا في تخصيص المحتوى، بحيث يكون موجّهًا خصيصًا لك، وهذا أمر أساسيّ.

ويتّفق شوشاني مع حمود على أنّ الموضوع ليس تقنيًا فقط، بل اجتماعي وثقافي أيضًا، مشدّدًا على وجوب التركيز على تمكين الناس ليكونوا قادرين على التفكير والتحقق من المعلومات، خصوصًا في ظلّ انتشار الأخبار الكاذبة والمعلومات المضللة.

ويضيف أنّ العصر الرقمي هو فرصة لتمكين الناس من المشاركة والمساءلة، وليس مجرّد تحوّل تقني، معتبرًا أن تحويل الأمية الرقمية في لبنان، إلى سياسة اجتماعية هو خطوة مهمة لمحاربة التهميش الرقمي والفوارق الاجتماعية، خصوصًا في المناطق الريفية التي تعاني من ضعف البنية التحتية الرقمية.

ويكشف شوشاني أنّ الفجوة الرقمية ليست فقط في البنية التحتية، بل تشمل أيضًا القدرات والمهارات الرقمية، والفهم النقدي، واستخدام التقنية بوعي، دون أن نغفل تحدّيات أخرى مهمّة تتعلق بالأمن السيبراني والتهديدات الرقمية.


مخاطر رقمية كبرى

على مستوى الأهل، يجد أنّ "عمادي الأسرة بحاجة إلى وعي أكبر ليتمكّنا من حماية أطفالهما، لأنّ الأطفال اليوم معرّضون لمخاطر رقمية كبرى"، ولو كانت درجة هذه الحاجة تختلف بينهما، وأحيانًا نجد أحد الأبناء يتمتع بدرجة وعي معين تساهم في رفع وعي والديه وإخوته ما يساهم في حمايتهم من المخاطر الرقمية.


ويتابع شوشاني أنّ لبنان بحاجة إلى استراتيجية وطنية للتحوّل الرقمي والعدالة الرقمية، تشمل تمكين التعلّم والتعليم باستخدام الذكاء الاصطناعي، والمنصّات الرقمية الذكية، التي تراعي خصوصية اللغة والثقافة المحلية، لافتًا إلى أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون أداة للمساواة، لكنّه قد يزيد الفجوات إذا لم يُستخدم بشكل صحيح.


ومن بين المؤتمرات والمبادرات التي يذكرها شوشاني: AI for Lebanon الهادف إلى توعية الناس وتشجيع الحوار حول الذكاء الاصطناعي في لبنان، مؤكدًا حاجة لبنان إلى رؤية وطنية شاملة لتطوير البنية التحتية الرقمية، بناء القدرات، دمج الذكاء الاصطناعي في التعليم، وحملات توعية مستمرّة لضمان استفادة الجميع بشكل عادل.


وليس بعيدًا من هذه المقاربة تشدّد حمود على أن الذكاء الاصطناعي ليس مجرّد تطوّر تقنيّ، بل يرتبط بالحوكمة والسياسات العامة، وخاصة في قطاع التعليم، الذي يحتاج إلى مقاربة متعدّدة الاختصاصات، وتتمثل الفرصة الذهبية في استخدام الذكاء الاصطناعي لتحقيق ديمقراطية أوسع في التعليم، بشرط أن يترافق ذلك مع تعاون جماعي ومتكامل بين الجهات المعنية وفق تعبيرها.


وكما بات معلومًا، فإن أبرز ملامح الفجوة الرقمية في لبنان تتمثل بـ :

1- عدم توازن في البنية التحتية: مناطق كثيرة، خصوصًا المناطق الريفية، تعاني من ضعف التغطية بالإنترنت أو من انقطاع الكهرباء المستمر.

2- تفاوت في المهارات الرقمية: جزء كبير من السكان، خاصة من كبار السن أو ذوي الدخل المحدود، يفتقرون إلى المعرفة التقنية أو القدرة على التعامل مع أدوات العصر الرقمي.

3- ضعف في التعليم الرقمي: غياب مناهج تعليمية رقمية موحّدة، وضعف تدريب المعلمين على استخدام التكنولوجيا.

4- تهميش مناطق الأطراف: معظم المبادرات الرقمية تنطلق من بيروت، بينما تبقى الأطراف الأقلّ استفادة.

5- غياب سياسات وطنية متكاملة: لا توجد حتى الآن رؤية واضحة أو موحّدة لرقمنة المجتمع بشكل عادل وشامل.


ولردم هذه الفجوة، فإنّ لبنان يحتاج إلى بنية تحتية قوية، وإلى تدريب رقمي واسع النطاق، ودعم حكومي واضح، وشراكات بين القطاعين العام والخاص.