مارتن عيد

الزواج في لبنان: طقسٌ ديني، عبءٌ مالي، ومسؤولية مدنيّة غائبة

4 دقائق للقراءة

 في لبنان، لا يُقام الزواج مرّة واحدة. بل غالبًا ما يُحتفل به مرّتين، ويدفع ثمنه مرّتين، حتّى ويُبارَك في مكانَين. ليس لأن الحبّ مضاعف، بل لأن الواقع مجزّأ. بين القوانين الغائبة، والسلطات الدينية المتعدّدة، وتكاليف الاحتفالات، يجد كثيرون أنفسهم ممزّقين بين ما يفرضه الواقع، وما يحلمون به ليومهم الكبير.



كيف تحوّلت هذه اللحظة الحاسمة في حياة الناس إلى معاملة مكلفة ومكرّرة؟ ولماذا لا يزال الزواج المدني غائبًا، في بلد يعيش ناسه انفصامًا يوميًا بين ما هو قانوني وما هو طقسي؟ هذا المقال دعوة إلى التفكير بصوت عالٍ، بهدوء ومسؤولية، في واقع يحتاج إلى تنظيم عادل، لا إلى خصام، وإلى حلول تضمن كرامة الناس وتُبقي على صدق الحب.



حين يصبح الزواج الطقسي وسيلة لجني المال

ليس سرًا أن الكثير من مؤسسات الزواج الديني، ومنها عدد من الكنائس في لبنان، تعتمد جزئيًا على رسوم الزواج كمورد مالي لدعم الرعايا والمصاريف. هذا أمر مفهوم ضمن إدارة المؤسسة، لكنّه يتحوّل إلى إشكالية حين يصبح شرطًا لا يمكن تجاوزه، وحين يشعر الناس بأنهم لا يُمنحون سرًّا بل يُطلب منهم شراؤه.



في السنوات الأخيرة، أصبح من الشائع أن يُقام الزواج الكنسي الرسمي في الكنيسة أمام عدد محدود من أفراد العائلة، وغالبًا في أوقات غير تقليدية، مقابل بدل مالي يُدفع للكاهن وللرعية. ثم يُنظَّم احتفال آخر، أكبر حجمًا، في مكان مختلف، يُطلب فيه من الكاهن نفسه أو من كاهن آخر أن يحضر مجددًا ليُعيد مباركة الزواج بصيغة رمزية، أمام جمهور واسع، وسط مشهد مسرحي منمّق، بالموسيقى والزهور والكاميرات. هكذا، يُدفع ثمن الزواج مرّتين: مرّة للطقس الرسمي، ومرّة للاحتفال المصوَّر، ما أظهر فجوة متزايدة بين الزواج كسرّ ديني والزفاف كحدث اجتماعي، وأشار إلى خللٍ في التنظيم، وإلى اتساع المسافة بين رغبات وتطلّعات الناس والآليات المفروضة عليهم.



وفي بلدٍ يدفع فيه المواطن فواتير الكهرباء مرتين، ويشتري الماء مرتين، ويؤمّن الاتصالات من مصدرين، لم يعد مستغربًا أن يُدفع "ثمن الحب" مرتين أيضًا، حتى عندما تكون النية واحدة والشخصان نفسهيما.



الزواج المدني… بين القانون الإلزامي والخيار الطوعي

في مقابل هذا الواقع، يبرز من جديد موضوع الزواج المدني، الذي طالما أثار الجدل في لبنان، والذي لا يزال حتى اليوم غير متاح ضمن القانون الداخلي، رغم تزايد أعداد اللبنانيين الذين يُتمّونه في قبرص أو بلدان أخرى مجاورة، ثم يُعترَف به في الدوائر الرسمية اللبنانية.



الزواج المدني، في جوهره، ليس مشروعًا لإلغاء الزواج الديني، ولا هو دعوة إلى استبعاد الإيمان. هو ببساطة قانون. والقانون، بطبيعته، يجب أن يكون إلزاميًا، عامًا، وساريًا على الجميع من دون استثناء. لا يمكن لدولة أن تترك جانبًا بهذه الأهمية في حياة مواطنيها، كتنظيم الزواج، ليُدار فقط عبر السلطات الدينية المتعدّدة. فالدولة ليست جهة روحية، بل جهة قانونية، ومهمّتها تنظيم العقود، حفظ الحقوق، وضمان العدالة للجميع.



انطلاقًا من هنا، فإن الزواج المدني يجب أن يكون الإطار الرسمي والملزم لكلّ زواج يُعقَد في لبنان، لأنه يمثّل العقد القانوني الذي يُحتَكم إليه عند النزاع، وعند تسجيل الحقوق، وحفظ هوية الأسرة أمام مؤسسات الدولة.

أما الزواج الديني، فهو فعل طقسي، إيماني، روحي، اختياري بكل معنى الكلمة. من أراد أن يعلنه، أو يطلب فيه بركة إلهية من كاهن أو شيخ أو مرشد روحي، فليكن له ذلك بكل حرية، وبكل كرامة. الإيمان ليس مُعارضًا للقانون، لكنه لا يجب أن يُفرَض على الجميع كبديل عن القانون.



بهذا الترتيب، يصبح الزواج المدني هو الأساس القانوني الملزم للجميع، بينما يبقى الزواج الديني خيارًا حرًا، يعبّر به الإنسان عن قناعته الروحية، لا عن تبعيته القانونية. وهذا النموذج ليس اختراعًا لبنانيًا، بل معتمد في معظم دول العالم، ومن بينها روما عاصمة الكثلكة في إيطاليا، حيث تحترم الدولة حرية المعتقد، وتفصل بين المسؤولية المدنية والإيمان الشخصي.


حتى لا يُجزَّأ الحب بين مشهدين

الزواج ليس مناسبة تُكرَّر، ولا التزامًا يُؤدّى على فصلين. هو قرار واحد، صادق، يبدأ حين يلتقي القانون مع القناعة، وتلتقي الحرية مع المسؤولية. أما حين نُجبَر على تكراره مرتين: طقسًا وقانونًا، مالًا ومشهدًا، فإننا لا نحترم جوهره، بل نستهلكه.



آن الأوان أن نعترف بأن الزواج المدني ليس خيارًا من بين خيارات، بل هو القاعدة القانونية التي تحمي الجميع، بينما الزواج الديني هو الحق الروحي الذي يُضاف لمن يريده. وبين القانون والإيمان، لا تناقض إذا احترمنا الحدود، ورفعنا عن الزواج عبء التكرار، والتكلفة، والتجزيء. فالحب لا يحتاج إلى وسيطين، ولا إلى عقدَين، بل إلى حقّ واضح، يُنظّم مرة واحدة… ويُعاش إلى الأبد.