راشيل علوان

إسرائيل و"المدينة الإنسانية"... استنساخ لتجربة "غيتوات" النازية؟

3 دقائق للقراءة
آلة القتل والتجويع والتهجير الإسرائيلية ماضية في عبثيتها (رويترز)

"ممر موراغ" لا يزال القضية العالقة بين إسرائيل و"حماس" في مفاوضات الدوحة، بحسب تقارير إسرائيلية، وهو طريق عسكري يمتد جنوبي خان يونس مباشرة بمحاذاة الحدود المصرية، تهدف إسرائيل إلى الاحتفاظ بالسيطرة عليه. الخلاف في طياته، يعود إلى نيّة إسرائيلية إنشاء "مدينة إنسانية" على أنقاض رفح جنوبي قطاع غزة، والتي سيُجمع فيها سكان القطاع. مدينة تخضع للأمن الإسرائيلي، لذلك السيطرة على "ممر موراغ" أمر بالغ الأهمية للحفاظ على أمن تلك المنطقة.


خطة إقامة "مدينة إنسانية" مغلقة فوق أنقاض رفح، تهدف بحسب الرواية الإسرائيلية إلى إنشاء منطقة موَقتة لإيواء مئات الآلاف من الغزيين الذين نزحوا من شمال ووسط غزة، بعد فصلهم عن مقاتلي "حماس". يتم إدخالهم إلى المدينة بعد فحص أمني، ولن يُسمح لهم بالخروج منها، على أن تتولّى منظمات دولية إدارة الشؤون المدنية في "المدينة الإنسانية"، بينما سيكتفي الجيش الإسرائيلي بتأمين محيط المدينة.


خطة أثارت جدلًا وانتقادات واسعة، خصوصًا حول النوايا الإسرائيلية الحقيقية وراء إنشاء هذه المدينة، كما طرحت تساؤلات حول البعد الإنساني لها، فوزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس استخدم مصطلح "المدينة الإنسانية" لوصف منطقة مخيّمات موَقتة خاضعة لسيطرة الأمن الإسرائيلي ولا يُسمح للغزيين الخروج منها، وكأنه يتحدّث عن "قفص" كبير لتجميع الفلسطينيين أكثر مِمّا هو مخيّم إغاثة إنساني تقليدي.


ورغم أن الخطّة لم يتم الاتفاق عليها بعد بشكل نهائي داخل الكابينت، إلّا أنها بكلّ القوانين والمعايير الإنسانية والدولية لا تعدو كونها جريمة أخرى ضدّ الإنسانية، وغطاءً للتهجير الطوعي وحتى القسري. فالخطة في مرحلة ثانية بعد تجميع سكان غزة، تتضمّن تفعيل آليات لتشجيع الهجرة الطوعية من "المدينة الإنسانية" إلى دول ثالثة خارج القطاع، خصوصًا أن موقع المدينة قريب من معبر رفح الحدودي مع مصر.


ولكن أي هجرة طوعية هذه التي تُخضع سكان المدينة لإجراءات قاسية، يُمنعون فيها من الخروج، وتُراقب تحرّكاتهم بدقة، وتُوزّع عليهم المساعدات وفق شروط؟ إنه التهجير القسري بكلّ تجلياته، رغم أن الفلسطينيين سلطة وشعبًا لا يزالون يرفضون الأمر رفضًا قاطعًا، ويرون في المدينة "خدعة إنسانية" تخفي نوايا تهجيرية.


إلّا أن قطار رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لم يتوقف منذ 7 أكتوبر/تشرين الأوّل 2023، وآلة القتل والتجويع والتهجير الإسرائيلية ماضية في عبثيتها وجرائمها، غير آبهة لا بإدانات ولا بانتقادات ولا بأي قانون إنساني ودولي. وبالتالي، لا شيء يمنع إسرائيل من المضي في خطّتها حتى لو وقف العالم أجمع ضدّها. من هنا، خطة "المدينة الإنسانية" في رفح ليست مشروعًا إنسانيًا كما تزعم إسرائيل، بل هي سجن كبير مبني موَقتًا على مساحة محاصرة خالية من الأمل والرحمة.


في الماضي القريب، كانت الغيتوات النازية، تلك المناطق المغلقة والمنعزلة، الشاهد على الفصل الوحشي والاضطهاد الذي عانى منه يهود أوروبا، واليوم إنها "المدينة الإنسانية". المصطلح تغيّر ربّما، لكن الفعل هو نفسه، فصلٌ عنصري، اضطهاد، انتزاع الحقوق الإنسانية والسياسية، تجويعٌ وقتلٌ وتهجير. لكن الفرق الوحيد بين الأمس واليوم أن الفعل هذه المرّة ليس موجّهًا ضدّ اليهود، بل هم من يُعيدون نسخ التجربة التاريخية القاسية والوحشية التي حلّت بهم، على أكثر من مليوني إنسان في غزة، بلا أي ذرّة رحمة.