إستال خليل

بلغة الفنان والمعمار

مهندس يُنبت الأمل من دمار مرفأ بيروت

4 دقائق للقراءة
مشروع فنّي بمثابة طقس شفاء

في عمل فنّي تشكيلي يجمع بين الرّماد والقمح، وبين الحزن والأمل، يقدّم المهندس المعماري كامل مصطفى هاجر، لوحة تجسّد كارثة انفجار "مرفأ بيروت" (4 آب 2020)، تعيد رسم ملامح الأمل في وجه الدمار. اللوحة المصنوعة من مواد طبيعية وبأسلوب "الكولاج"، تُظهر مجسَّمًا للأهراءات المنهارة، مغطاة بركام رمادي قاتم، وعلى أطرافها حبّات قمح طبيعية متناثرة. وبين هذه الحبوب، تنمو سنابل ذهبية، طبيعية أيضًا، ترتفع نحو شمس ساطعة في سماء زرقاء صافية.


يقول صاحب العمل الفنّي، المهندس كامل مصطفى هاجر في حديث لـ"نداء الوطن": "ولدت فكرة اللوحة في النصف الأول من عام 2022، مع اقتراب الذكرى الثانية للانفجار المروّع. كنت أعيش كغيري من اللبنانيين صدمةً متجدّدة كلّما مرّت صُوَر الانفجار أمامي، على شاشات التلفزة، في صفحات الجرائد، ومن خلال الأخبار المتداولة عبر الإذاعات ومواقع التواصل الاجتماعي. مع كل خبر أتابعه، كان هناك شعور بالعجز يزداد، وجرح يتعمّق، لكن في الوقت نفسه كانت تتشكل في داخلي حاجة دفينة لترجمة كل هذا الألم إلى ما هو ملموس، إلى عمل تعبيري يحمل رسالتي كإنسان ومهندس وفنان".


أفكار تتراكم

يتابع هاجر قصّة ولادة قطعته الفنّية فيقول: "بدأت الأفكار تتراكم في ذهني، وكانت أسئلة: كيف يمكن للفن أن يواجه هذه الكارثة؟ كيف يمكن للوحة أن تحتفظ بالوجع لكن أن تفتح أيضًا نافذة للأمل؟ وكيف يمكن للقمح المتناثر أن يتحوّل إلى سنابل جديدة تُعلن عن ولادة من رحم الفاجعة؟".

توالت الأسئلة وتناسلت الأفكار حتى كان النتاج ولادة فكرة اللوحة التي أتت كخلاصة لنضج داخلي، ومواجهة شخصية مع الذاكرة، ومع ما رأيته في بيروت المنكوبة، يقول هاجر، ويضيف: "لم تكن اللّوحة مجرّد مشروع فني، بل طقس شفاء، وأداة مقاومة، ولغة حاولتُ أن أقول من خلالها ما عجزت الكلمات عن التعبير عنه".


تجربة حسيّة مؤثرة

في هذا العمل، يجمع المهندس كامل مصطفى هاجر بين مهنته كمعمار وخياله كفنان، ليُقدّم تجربة حسّية مؤثّرة، لا تنقل فقط مأساة بيروت، بل تسعى إلى إحياء ما انكسر فيها. ويقول: "بعد الأفكار التي ملأت عقلي وقلبي، بدأت العمل اليدوي اليومي، وتجميع المواد، من القمح إلى السنابل، وتكوين مجسّم الصوامع المدمّرة، لأصل في النهاية الى تكوين هذه اللوحة التي ترمز إلى الانفجار والأمل في الوقت عينه".

ويشرح هاجر معاني مشروعه الفنّي، فيوضح: "السنابل حين تنمو، فإنها لا تُعلن فقط عن استمرار الطبيعة، بل عن انتصار الأمل وسط اليأس. إنها ترمز إلى البركة المتدفّقة رغم الجفاف، إلى الأمل الذي يتحدّى الانكسار، وإلى العطاء الذي لا يُلغيه الحزن. فالسنابل الخارجة من الرّكام ليست رمزًا فحسب، بل صرخة صامتة تقول إنّ هذه البلاد تستحق الحياة، ويُمكن من القمح المحروق أن تُزرع من جديد أحلامٌ وأوطان". ويتابع: "لطالما كان القمح رمزًا أصيلًا للجذور، للأرض التي نولد منها ونعود إليها. ففي كل حبّة قمح، تنبض ذاكرة الأرض وكرمها، ويستقرّ معنى الانتماء العميق للوطن. وهو يرمز إلى الخصوبة، والعطاء المتجدد، والحياة التي تُولد من باطن التراب وتخرج ناصعة في وجه الخراب".


الفن مرآة الواقع

عمل كامل مصطفى هاجر ليس فقط تعبيرًا فنيًّا، بل هو أيضًا خلاصة تجربة معمارية طويلة، إذ تولّى رئاسة "قسم الهندسة المعمارية" في "معهد الفنون الجميلة" في طرابلس، وتخصّص في "هندسة الحدائق" عام 2003.

وعن العلاقة بين المعمار والفن التشكيليّ، يقول: "هي علاقة مترابطة جدًّا، إذ لا بدّ أن يتمتّع المهندس المعماري بإحساس الفنان التشكيليّ، والعكس صحيح. ليس لديّ أسلوب فنّي محدّد، لكنّني أحبّ العمل من خلال "فن الكولاج" (Collage)، أي فنّ اللصق، الذي يعتمد على قصّ ولصق خامات متنوعة ومختلفة ومتعددة، لصناعة عمل فني تعبيري". ويتابع: "كذلك أحبّ العمل في فنّ الملصق (Poster)، كوسيلة يوميّة للتفاعل بين الحدث والناس. ولدي تجارب عدّة في هذا المجال، خصوصًا في مناسبات سياسية ووطنية". هاجر يستوحي أعماله الفنّية من الحياة اليوميّة والحدث العام، وبالتالي ما يدفعه إلى إنجاز أيّ عمل فنّي هو وقوع حدث معيّن، إذ يؤمن أنّ دَور الفنان هو استخدام الفن كأداة لنقل واقع معيّن إلى الناس، سواء كان سياسيًّا، اجتماعيًّا، وطنيًّا أو دينيًّا. وعلى كلّ عمل فنّي أن يكون مرآة لهذا الواقع، وصوتًا احتجاجيًّا له، ووسيلة للناس للتعبير عن أنفسهم.