ربط بحث جديد بين مرض التهاب الأمعاء ووجود خلايا مناعية شائبة تبدي ردود أفعال مفرطة لفترة طويلة. نُشرت نتائج الدراسة في مجلة "علم المناعة"، وهي تُمهّد لفهم مسار نشوء مرض التهاب الأمعاء وأسبابه وابتكار علاجات مستقبلية محتملة.
خصائص مرض التهاب الأمعاء
وفق "مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها"، يُعتبر مرض التهاب الأمعاء مصطلحاً عاماً ويشير إلى مرضَين يترافقان مع التهابٍ متواصل في الجهاز الهضمي. يمتد هذا الجهاز من الفم إلى الشرج ويشمل المريء والمعدة والأمعاء الدقيقة والأمعاء الغليظة. أما الجزء الأخير من الجهاز الهضمي، فهو المستقيم الذي ينتهي بفتحة الشرج.
المرضان المرتبطان بهذا الالتهاب هما مرض كرون والتهاب القولون التقرحي. قد يصيب مرض كرون أي جزء من الجهاز الهضمي، من الفم إلى الشرج، مع أنه يستهدف الأمعاء الدقيقة في معظم الحالات.
يؤدي مرض كرون إلى تضرر الأنسجة العميقة وغير المكتملة. في المقابل، تكون أضرار التهاب القولون التقرحي دائمة وغالباً ما تبدأ في المستقيم وتمتد إلى الأمعاء الغليظة (أي القولون). يؤدي الالتهاب إلى تضرر الأنسجة السطحية.
تُشدد "مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها" على أن نوعَي مرض التهاب الأمعاء قد يؤديان إلى أعراض مثل الإسهال، ووجع البطن، وظهور دم في البراز، والتعب، وفقدان الوزن. صحيح أن العلاجات تحسنت في هذا المجال، لكن لا يتجاوب معها البعض حتى الآن على المدى الطويل.
في العام 2015، شُخّص مرض التهاب الأمعاء لدى 1.3% من الراشدين الأميركيين، بعدما كانت هذه النسبة 0.9% في العام 1999. يظن العلماء أن الفرد يصاب بهذا الالتهاب حين يبدي جهاز مناعته رد فعل مفرط ثم تنشأ التهابات نتيجةً لذلك. لكنهم لا يعرفون بدقة الأجزاء المناعية المسؤولة عن هذه العملية أو سبب حصولها في المقام الأول.
نوعان من التحليلات
لفهم دور جهاز المناعة في مرض التهاب الأمعاء، أجرى فريق دولي من العلماء تجربة لتحليل الخلايا المناعية الموجودة في خزعات المستقيم أو في عينات دم مأخوذة من مصابين بالالتهاب.
بما أن التهاب القولون التقرحي يستهدف الجزء نفسه من الأمعاء لدى جميع المصابين، كان من الأسهل على العلماء أن يحللوا مرض كرون. حصل الباحثون على عينات من المستقيم لدى سبعة مصابين بالتهاب القولون التقرحي وقارنوها مع عينات تسعة أشخاص غير مصابين بالمرض. فاستعملوا الحمض النووي الريبوزي الناقل وتسلسل مستقبلات المستضدات.
يوضح البروفيسور جين يو من كلية الطب التابعة لجامعة كاليفورنيا – سان دييغو، وهو أحد المشرفين على الدراسة الجديدة: "لقد استفدنا من مقاربة متطورة تسمح لنا بإنتاج بيانات عن الحمض النووي الريبوزي الناقل وتسلسل مستقبلات المستضدات انطلاقاً من الخلايا نفسها وحللنا آلاف الخلايا الفردية. إنها تجربة مثيرة للاهتمام".
تقوم الخلايا المناعية برصد الخلايا التي يصيبها مُسبّب المرض داخل الجسم، فتبطل مفعوله أو تقتل الخلية للقضاء عليه.
تنتج الخلايا التائية استجابة محددة لكل نوع من مسببات الأمراض. وحين ينتهي الالتهاب، تلجأ إلى الخلايا التائية المسؤولة عن حفظ الذاكرة المناعية. تتنقل هذه الخلايا في أنحاء الجسم أو تقبع داخل الأنسجة وتتحضّر لإبداء استجابة فورية تجاه مُسببات الأمراض في حال عودتها.
يُعرَف نوع من تلك الخلايا التائية باسم الخلايا السامة CD8+ التي تتشعب إلى أنواع فرعية متعددة، ويقع نوع منها داخل الأنسجة ويُعرَف باسم "خلايا الذاكرة المقيمة في الأنسجة".
نوع فرعي من الخلايا التائية
بعد تحليل العينات المأخوذة، رصد الباحثون مستويات مرتفعة من خلايا الذاكرة المقيمة في الأنسجة لدى المصابين بالتهاب القولون التقرحي وكانت في حالة من النشاط المفرط.
تحت تأثير مُنظِّم مناعي اسمه "إيوم"، تكاثرت خلايا الذاكرة المقيمة في الأنسجة بسهولة وأنتجت عدداً كبيراً من السيتوكينات التي تُضرّ بأنسجة الجهاز الهضمي.
يوضح البروفيسور جون ت. تشانغ من جامعة كاليفورنيا – سان دييغو وأحد المشرفين على الدراسة الجديدة: "اكتشفنا أن هذا النوع الفرعي والالتهابي من خلايا الذاكرة يبدو مدعّماً في الأنسجة المعوية لدى المصابين بالتهاب القولون التقرحي، وهو نوع من مرض التهاب الأمعاء في القولون. تشكّل خلايا الذاكرة طويلة الأمد هدفاً للقاحات، لكن يكشف هذا الاستنتاج أن الخلايا المطلوبة في المعركة القائمة ضد الأمراض المعدية قد تصبح ضارة تزامناً مع الإصابة بمرض التهاب الأمعاء".
على صعيد آخر، اكتشف الباحثون أن هذا النوع الفرعي من الخلايا التائية قد يتسلل أيضاً إلى مجرى الدم. تقول الدكتورة بريجيت س. بولاند، اختصاصية في أمراض الجهاز الهضمي في جامعة كاليفورنيا – سان دييغو وواحدة من المشرفين على البحث الأخير: "قد يفسّر هذا الاستنتاج السبب الذي يجعل الالتهاب لا يصيب الأمعاء فحسب بل أجزاءً أخرى مــــــن الجسم أيضاً".
يُمهد هذا البحث لابتكار علاجات محتملة في المستقبل. لكن تقضي الخطوة المقبلة بالتأكد من احتمال استهداف هذا النوع الفرعي من الخلايا التائية والقضاء عليه مباشرةً.