يا إبن دين براون، هل نسيت أنّنا أبناء جامعة الكسليك؟
إلى توم بارّاك،
وإلى كل مبعوث يتوهّم أن العالم يبدأ من واشنطن، وينتهي حيث تنتهي مخيّلتكم:
لبنان لن يعود إلى “بلاد الشام”، ولا إلى أي وحدة سقطت قبل أن تُولد.
لبنان لا يعود إلى أحد، لأنه لم يُخلق من ضلع أحد، ولا خرج من رحم مشروع أحد، ولا تكيّف يوماً مع هندسة دولية ظرفيّة أو نزهة إقليمية.
لبنان وُلد عكس كلّ التيارات الوحدويّة. وُلد كعقوبة للأقوياء، وكَشَكٍّ دائم في خرائطكم.
أنتم تحلمون بخريطة تُشبهكم: غير مستقرة، خاضعة، ومعدّة دائماً للتفاوض.
ربّما تقبل "إسرائيل" أن تكون صاحبة كيان هشّ في أوراقكم.
لكنّ لبنان، أقدم منكم ومنها.
سيّد برّاك، لسنا شعبًا صغيرًا، ينتظر خلاصًا خارجيًا.
نحن شعب يعرف أكثر مما يقول، ويحمل أكثر مما يظهر.
أن نكون، حتى وإن جاع البلد، ونُهِبَت الدّولة، وحُوصرت الذاكرة.
نحن لسنا امتدادًا لأحد. لسنا هوامش لأزماتكم.
نحن الأصل الذي لم تستطيعوا يومًا فهمه، ولا تدجينه، ولا سحقه.
نحن الفشل الوحيد في دفتر استراتيجياتكم.
لبنان، رغم هشاشة دولته، ليس كياناً طارئاً. نعم، نحن نعيش فوق أرض تتغيّر فيها الإدارات والمناخات والتحالفات، لكننا لم نكن يوماً كياناً هشّاً في الجوهر. وجودنا ليس مرهوناً بخطابات مبعوثين ولا بمناورات دول. وجودنا هو ما فرض نفسه في أكثر اللحظات صعوبة، وهو ما سيبقى، حين تتغير الأسماء، والأجندات، وحتى الخرائط.
والرسالة هنا ليست فقط للسّيد باراك، بل لفخامة رئيس الجمهورية أيضاً: فخامتك، لا تنتظروا التّبدلات الإقليميّة لتتحرّكوا. إن خطر تبدّل خرائط المنطقة لم يعد سيناريو بعيداً. خرائط الشرق الأوسط تُرسم اليوم بالأفعال، لا بالتمنيات والنّوايا. أنتم، فخامة الرّئيس، أمام لحظة تفرض عليكم أن تختاروا: إمّا دولة تحمي مواطنيها، أو مزرعة يتنازعها الكبار وتُداس بأقدام الطامحين.
أما الولايات المتحدة الأمريكية، فليتها تنشغل بمصارحة نفسها: أنتم تفاوضون إيران منذ سنوات، وهي باعترافكم السبب الرّئيسي في وجودكم في هذه المصارعة الإقليميّة. فلا يحق لكم، أن تُدخلوا لبنان في فاتورة مناوراتكم العقيمة.
لبنان، سيّد برّاك، لن يعود إلى “بلاد الشام”. لبنان ليس فصلاً من رواية كُتبت في واشنطن أو طهران أو تل أبيب أو دمشق.
لبنان وطن،
وإنه وطن،
لا يتقن إلا البقاء.