عيسى مخلوف

صرخة الكتاب

4 دقائق للقراءة
تفصيل من لوحة فان غوغ: "غصن اللوز المزهر وكتاب"

مرحلة الحَجْر الثانية التي بدأت في فرنسا نهاية الشهر الماضي واكبتها سلسلة قرارات رسميّة منها إقفال المكتبات العامّة وأيضاً مكتبات بيع الكتب الموزّعة في مختلف المدن والقرى الفرنسيّة، من ضمن سياسة التخلّي المؤقّت عن كلّ ما لا يُعتبر من "الضروريّات". غير أنّ ردّ الفعل العامّ جاء معارضاً لهذا القرار إذ رأى أصحاب المكتبات ودور النشر والمهتمّون بالشأن الثقافي والكثير من الكتّاب والقرّاء والجمعيّات الثقافية أنّ الكتاب من "الضروريّات" كالمأكل والمشرب والطبّ وغير ذلك ممّا يحتاج إليه الإنسان في حياته اليوميّة، وأنّ تداوله فقط من خلال الإنترنت ومنصّات التجارة الإلكترونيّة لا يكفي. فتحُ المكتبات، بالنسبة إلى هؤلاء، نافذة مهمّة للثقافة التي أُقفل الكثير من أبوابها مع إقفال المتاحف والمسارح ودور السينما وصالات العروض الفنّية.

بلجيكا التي أقفلت مكتباتها في فترة الحَجْر الأولى، سمحت بفتحها الآن لاعتبارها أنّ "الكتاب يساعد الناس على تحمُّل الحَجْر وعلى تمضية الوقت بصورة ذكيّة"، وكذلك "تفادياً لقتل صناعة الكتاب". تؤكّد على هذا الكلام نسبة القراءة المرتفعة التي شهدتها أوروبا خلال الأشهر الماضية عقب انتشار الوباء، بل أصبح الكتاب فيها، رغم حجمه الصغير، مساحة شاسعة تتلاقى فيها الأمكنة والأزمنة. أصبح مكاناً للإقامة. من هذا المنطلق، فهو ليس بضاعة كسائر البضائع، بل وسيط أساسي لنقل الثقافة والمعرفة، وفيه، إلى ذلك، شفاء للناس. وهذا ما يتمحور حوله كتاب بعنوان "الفنّ الذي يشفي" الصادر مؤخّراً عن دار Hazan الباريسيّة لطبيب الأمراض العصبيّة بيار لوماركي الذي يبرهن أنّ مجالات الفنّ والجمال والثقافة لا توسّع رؤيتنا للعالم فحسب وإنّما تترك أثرها أيضاً على دماغ الإنسان وعلى صحّته النفسيّة والجسديّة. هذه الحقيقة استشرفها بعض الفلاسفة والكتّاب منذ مئات السنين. وفي الزمن الحديث، كتب جان ماري غوستاف لوكليزيو الحائز على جائزة نوبل للآداب: "قد نعرف يوماً أنّ الفنّ لم يكن له وجود، وأنّ الطبّ وحده هو الموجود". وهذا ما تثبته الآن البحوث العلميّة. لذلك يخشى الحُكم الشمولي الكتب ويقف ضدّ العقل والفكر والإبداع في كلّ زمان ومكان!

العام 213، أمرَ إمبراطور الصين بتدمير الكتب المعرفيّة كلّها. وعندما احتجّ بعض المثقّفين على هذا القرار، وكان عددهم أربعمئة، أمر الإمبراطور بدفنهم أحياء. قرابة العام 1000، دُمِّرَت مكتبة المنصور في قرطبة بإيعاز من بعض الفقهاء وعلماء الدين الذين يكفّرون كلّ من ينتصر للعقل ويرفض التخلّف والجهل أو يخالف رأي الحكّام والأفكار السائدة. وباسم الدين، قُتل الكثير من الكتّاب والشعراء (بشّار بن برد، ابن المقفّع، الحلاّج، السهروردي...)، وحُكمَ بالنفي على ابن رشد، وابن خلدون. ومن المعروف أنّ هولاكو أمرَ برمي مكتبة بغداد وكتبها العلميّة الثمينة في دجلة.

لقد استمرّت كراهية الكتاب في كلّ العصور، من زمن محاكم التفتيش في أسبانيا وصولاً إلى هتلر وستالين. أمّا في العالم العربي والإسلامي حيث عين الرقابة السياسيّة والدينيّة ساهرة لا تنام، فإنّ عدد الكتب التي صودرت، أو أُحرقَت، لا يُحصى، لا سيّما الكتب الفكرية والأدبية والفنية التي تتميّز بنوعيّتها واختلافها وحسّها النقديّ.

اللافت أنّ الكتب التي تحرّض على الحقد والعنف وتدعو إلى القتل تُباع في كلّ مكان، بينما تُصادَر، في الكثير من الدول العربية، بعض كُتب نجيب محفوظ وطه حسين وثروت عكاشة وعلي عبد الرازق وعبدالله العلايلي ونصر حامد أبو زيد وصادق جلال العظم وغيرهم. وكم من المفكّرين والكتّاب والمسرحيين والإعلاميين قُتلوا، في العقود الأخيرة، من بيروت إلى الجزائر، مروراً بدول عربيّة عدّة.

قبل وصول قبضة داعش إلى المكتبات والمتاحف والمواقع الأثريّة، كانت تلك الأمّة قد انقضَّت على كُتب يمثّل بعضها جزءاً من الإرث الثقافي والإنساني، ومنها، على سبيل المثال، "الفتوحات المكّية" لابن عربي، و"النبي" لجبران خليل جبران، و"ألف ليلة وليلة". ما يحدث للإنسان في العالم العربي هو ما يحدث للكتاب: مصير واحد لكليهما واستباحة كاملة هي أشبه باقتلاع الكائن من الوجود، اقتلاع تتعاون على تنفيذه قوى الداخل وقوى الخارج معاً. إنّ الانقضاض على الكتاب، وعلى الفكر والفنّ والإبداع بشكل عامّ، ليس إلاّ انقضاضاً على الإنسان نفسه، ليبقى فريسة الجهل، وعلى طاقاته الخلاّقة ومسعاه لجعل الحياة جديرة بأن تُعاش.