في أمسيتَين ساحرتَين شهدتهما "تلال إكسير" في بزبينا، البترون (شمال لبنان)، يومَي الخميس والجمعة 10 و11 تموز، تحوّل المسرح المكشوف وسط الكروم إلى عالم من خيال. هناك قدّم "أوركسترا الفردوس" عرضًا موسيقيًا فريدًا بقيادة المايسترو الأرمنيّ اللبنانيّ هاروت فازليان، الذي أعاد إحياء قصّة "شهرزاد" لريمسكي كورساكوف، برؤية وتوزيع موسيقيّ جديدَين.
الحفل الذي تزامن مع مغيب الشمس، لم يكن مجرّد عرض أوركستراليّ تقليديّ، بل تجربة حسّية شاملة جمعت الموسيقى بالصورة والحكاية والصوت، فالتقت الآلات الشرقية، من عود وناي وقانون، مع النسيج السمفوني الغربي، في حوار موسيقي متناغم نقل الجمهور إلى قلب الحكاية، فكان لكلّ آلة دور، وصوت، وحضور درامي على المسرح.
هذا المشروع الفنّي لم يكن موسيقيًا فحسب، بل سردًا حيًّا لحكاية شهرزاد وشهريار، بأداء تمثيلي متقن من جنى أبي غصن (في دور شهرزاد) وجلال الشعّار (أدى شخصيّة شهريار)، مع نَصّ شِعريّ موازٍ وضعه الشاعر هنري زغيب، فأضاف بُعدًا أدبيًا إلى الحكاية وأعادها إلى منابعها الشرقية الأصلية، لكن بلغة تنبض بروح اليوم.
المايسترو هاروت فازليان، المعروف برؤاه الجريئة والمبتكرة، أجرى تعديلات سرديّة على قصة "ألف ليلة وليلة"، مستبدلًا العنف بالحب، والقتل بالأمل. "شهريار لم يَقتل في هذا العمل، بل تعلّم الحبّ. واكتشف أنّ في الحبّ خلاصًا من العنف"، بحسب فازليان، الذي أراد من خلال هذا العرض أن يبعث برسالة إنسانية واضحة: "إذا كان هناك حب، فهناك سلام، والحب هو الذي يتغلّب على القتل".
إعادة تصوّر لا تكرار
وفي حديث لـ"نداء الوطن"، أوضح فازليان، أنّ "عرض "شهرزاد" الذي قدّمه في "إكسير" ليس تكرارًا لحكاية "ألف ليلة وليلة" التي عرفناها، بل هو إعادة تصوّر شامل لها، بقالب موسيقي ومسرحي جديدَين". وأضاف: "الجميع يعرف قصة "شهرزاد"، وكلّنا كبرنا عليها، لكنها مليئة بالعنف، إذ اعتاد شهريار أن يقتل النساء كل ليلة. أما أنا، فلا أومن بالقتل ولا بالعنف، لذا ارتأيت تغيير هذا الجانب في الرواية، وأن أقدّم نسخة تؤمن بالحب، وتُظهر أنّ الحبّ قادر على الانتصار على كلّ أشكال الظلم".
"أوركسترا الفردوس" مؤلَّف من موسيقيات محترفات من نحو 25 بلدًا حول العالم، وهذه أول مشاركة لهنّ خارج مدينة دبي، منذ انطلاق الفرقة عام 2021 من "إكسبو دبي". وعن سبب اختيار هذا الأوركسترا بالتحديد لتقديم هذا العمل، قال فازليان، "هو أول أوركسترا نسائيّ بالكامل في المنطقة، ويضمّ عازفات من اليابان والبيرو وصربيا وفنزويلا وفرنسا ولبنان وسوريا ومصر والمغرب والكويت وغيرها من البلدان. لقد أردت أن أُظهر من خلال ذلك أهمية دَور المرأة في كل بقعة من العالم، كشهرزاد، الذكيّة، والقويّة، والحنونة، والتي تؤمن بالحب، وتملك القدرة على التغيير".
فازليان، وهو قائد العرض، أشار إلى أنّ "شهرزاد" هو عرضه الثاني في "إكسير"، لشدّة ما أحبّ المكان الفريد، حيثُ شُيّد المسرح فوق كروم العنب، فبدا وكأنه معلّق في الهواء، ما منح الجمهور شعورًا بالتحليق فوق السحاب، بينما انسكبت الموسيقى كقصيدة ضوء بين الجبال والكروم، وتحوّلت كل آلة موسيقية إلى شخصية تنبض بالحياة، في رحلة حسّية لا تُنسى.
وسيلة مقاومة ومصدر ضوء
يضيف المايسترو فازليان: "الموسيقى ليست سمعًا فقط، بل هي عرض بصريّ أيضًا، فهي فنّ مسرحيّ. وأنا أحبّ أن أقدّم للجمهور ما لا يمكنه مشاهدته في أي مكان آخر، فإن لم أقدّم فكرة جديدة وتجربة فريدة، أفضل عدم تقديم أي شيء على الإطلاق".
ونسأله عن أهميّة هذه التجربة، فيقول: "هي فرصة لإظهار جمال لبنان الحقيقي، حيث أنّ الفنّ والثقافة يلعبان دورًا مهمًّا في السياحة"، لافتًا إلى أنّ "هناك من حضر من خارج لبنان لمشاهدة العرض".
ويختم فازليان برسالة يوجّهها إلى اللبنانيّن، فيقول: "هناك أمل. ينبغي أن نردّد هاتَين الكلمتَين دائمًا، لأن فقدان الأمل يعني أننا خسرنا كلّ شيء. والتشبّث بالأمل لا ينبغي أن يكون شعارًا عابرًا، بل أسلوب حياة وموقفًا يوميًا، خصوصًا في بلد واجه من الأزمات ما يكفي لتهتزّ ثقة أبنائه بمستقبلهم". ويتابع: "لكن، يبقى الفنّ وسيلة مقاومة ومصدر ضوء في أحلك الظروف، ورسالة حضارية تتجاوز المِحن"، مؤكدًا أنّ ما يسعى إليه من خلال أعماله الفنّية، هو تقديم صورة مشرقة عن لبنان بلد الثقافة والجمال والحياة، الذي يستحق أن يُرى ويُسمع خارج حدود صورته النمطية السوداوية.