فتات عيّاد

قائد شرطة بيروت لـ"نداء الوطن": الدراجات النارية تخفي هاجسًا أمنيًا وحلّ التّسول "مش هوبَرة" (الجزء الثاني)

12 دقيقة للقراءة

في الجزء الأول من مقابلتنا مع قائد شرطة بيروت، العميد عماد الجمل، تطرّقنا للخطة الأمنية في بيروت، التي تواكب الموسم السياحي وتحفظ الأمن في العاصمة وكشفنا نجاعتها بالأرقام لناحية تراجع نسبة الجريمة في المدينة.


أتت المقابلة بعد أيام على زيارة وزير الداخلية أحمد الحجار لشرطة بيروت، حيث اعتبر من هناك أنه «رغم كل ما يدور في المنطقة من نزاعات وحروب، يبقى الهم الأول لدى اللبنانيين، لا سيما في العاصمة بيروت، هو الأمن والسير». هذه العبارة، إنما تختصر تشابك ملفي «السير» و»الأمن» في بيروت، وأكثر تجليات هذا التشابك، ظاهرة الدراجات النارية وتأثيراتها على السير والأمن في العاصمة.


بيروت التي دفعت ثمن انفجار مرفئها والانهيار الاقتصادي في أمنها، تفاقمت فيها ظاهرة الدراجات النارية خلال الانهيار، وصولًا لتجاوز مخاطرها السلامة العامة، حتى باتت تنطوي على مخاطر على الأمن نفسه، وهو ما تكشفه أرقام جرائم السلب بقوة السلاح في بيروت وغالبيتها يرتكبها سائقو دراجات نارية، أو بتوقيف مطلوبين بجرائم عدة، عبر حواجز لقوى الأمن على الدراجات النارية، وصولًا لتصدّر جريمة المخدرات، أعلى نسبة توقيفات في وحدة شرطة بيروت، وهو ما سنراه في هذا الجزء من المقابلة، وهو ما يجعل تنظيم السير والأمن: خطين متوازيين، تسير عليهما بالتوازي الخطة الأمنية بتوجيه من وزير الداخلية أحمد الحجار وتعليمات مدير قوى الأمن الداخلي، اللواء رائد عبدلله.


هذا في أرقام التوقيفات، أما في أرقام محاضر السير التي تجاوزت 40 ألف محضر في 3 أشهر، فالمفارقة أن أكثر من نصفها، كانت محاضر «ممنوع الوقوف». هكذا إذاً، تأثر السير والأمن في العاصمة، بمسار الانهيار اللبناني، فضبط السير بات أرخص من إيجار موقف السيارات في العاصمة. وهي أزمة، تضاف لأزمات أخرى: كازدحام السير وتعطل إشارات المرور، وتفاقم ظاهرة التسول، التي «استقبل» بها محافظ بيروت مروان عبود، عهد الجمل بكتاب، طالب فيه قيادة شرطة بيروت بمعالجة هذه الظاهرة المتفاقمة.



في الجزء الثاني من مقابلتنا مع قائد شرطة بيروت، يشخّص العميد عماد الجمل كل هذه الأزمات وتأثير الانهيار والانفجار على أمن العاصم, وإذا كان يرى بأن حل التسول «مش هوبَرة»، فإنه بتشريحه لظاهرة الدراجات النارية، يشبّهها بـ «الحنفية المفتوحة»، كاشفًا أن 15 % فقط ممن حجزت دراجاتهم يسترجعونها، فيما يبقى الهاجس الأمني هو الأكبر في هذا الملف!


ظاهرة التسوّل: الحل الأمني ليس كافيًا

بعد أقل من أسبوعين على تعيين الجمل، وجّه محافظ مدينة بيروت القاضي مروان عبود كتابًا إلى قيادة شرطة بيروت، طلب فيه «منع التسول في مختلف أرجاء العاصمة والعمل على إيقاف مشغلي المتسولين والتحقيق معهم». علمًا أن هذه الظاهرة المتفاقمة، لم «تظهر» فجأة عند تعيين الجمل.



وعن تعليقه على كتاب المحافظ، يقول الجمل «لقد قمنا بالرد على كتاب المحافظ، بكتاب للمديرية العامة لقوى الأمن، صارحناه فيه بحاجتنا لتأمين مراكز إيواء للمتسولين الذين لا مأوى لهم، وأحطنا كذلك وزارة الداخلية بالأسباب المعيقة لعملنا في هذا الملف، والخارجة عن مهامنا، وهي تتمثل بحلول اجتماعيّة تتبع إجراءاتنا الأمنية».



ويشدد الجمل على أن حل ظاهرة التسول «مش هوبَرة»، بل هو نموذج متكامل للحل، مراكز إيواء للمشردين، مزودة بطواقم من اختصاصيين ومشرفين اجتماعيين، وميزانية مالية لتأمين الطعام بشكل يومي، وتوجيه الأطفال منهم إلى مهن، ونحن منفتحون على الحلول بالتعاون مع باقي الجهات الرسمية المعنية وفي طليعتها وزارة الشؤون الاجتماعية، ولا نتنصل من مهامنا أبدًا، إلا أن الحل يتطلب قرارًا على مستوى الدولة».



ويلفت قائد شرطة بيروت، إلى أن «الحل الأمني لا يحلّ ظاهرة التسوّل جذريًا»، إذ لا بدّ من وضعها ضمن سياقها الاجتماعي، فهي تفاقمت في السنوات الأخيرة، لكنها نتاج تراكمات قديمة من أيام الحرب الأهلية، وبعض المتسولين هم مكتومو القيد وقيد الدرس عدا عن نازحين سوريين».


هكذا إذًا يقارب الجمل الملف بعينين: اجتماعية وأمنية «إذ لا بد من حلول اجتماعية تلي إجراءاتنا الأمنية ونحن لا نتملص كشرطة بيروت من دورنا الأمني في توقيف العصابات التي تستغل الأطفال»، لكن «العدد الأكبر من المتسولين، لا مأوى له بالفعل».

وفي سبيل المحاكاة، يفترض سيناريو «أننا حجزنا جميع المتسولين في بيروت في غضون 48 ساعة... طيب وبعدين؟»، فنحن سنضطر «لإخلاء سبيلهم بعد أيام، إن لم يكن هناك جرم عليهم، وسيعودون للشارع».

نسأل الجمل: «وماذا بعد؟»، ليطمئن بأنّ «عامل الوقت كفيل بتحسن الأمور: بدءًا بقرار جذري على مستوى الدولة اللبنانية، يترافق مع مساعدات المنظمات الدولية، تزامنا مع الإصلاحات».



جرائم قتل وسرقة والمخدرات تتصدّر!

في بيروت التي تبعد بضعة كيلومترات عن مخيمي صبرا وشاتيلا حيث بؤرة تجار المخدرات، يُعنى مكتب مكافحة المخدرات، بذلك النوع من الجرائم. أما شرطة بيروت، فدورها يقتصر على «التعاون مع هذا المكتب، عبر تحويل موقوفينا المشتبه فيهم بهذا النوع من الجرائم إليه»، يوضح الجمل.

لكنّ الأرقام لا تظهر مجرد «تعاون» وحسب. يزودنا رئيس شرطة بيروت، بعدد التوقيفات في وحدة شرطة بيروت، من نيسان إلى حزيران الماضي، أي خلال الـ 3 أشهر الأخيرة، وإليكم بعضها: 8 أشخاص في جريمة السلب، 36 شخصًا سرقة عادية... لكن الجريمة التي تتصدر التوقيفات هي المخدرات، مع 299 توقيفًا!


القراءة العملية لتصدر توقيفات المخدرات في سرية بيروت، تصبح أسهل، عند معرفة أن غالبية هؤلاء الموقوفين، تم إيقافهم عبر حواجز أمنية كانوا فيها على دراجات نارية، وهذا ما يفسر ارتباط الخطط الأمنية في بيروت مباشرة بالدوريات والحواجز على الدراجات النارية!

فقسم كبير من «أصحاب السوابق» لا يسجلون دراجاتهم، هذا إن لم تكن مسروقة. وكل موقوف، يتم إظهار النشرة الخاصة به، وهنا يتضح تورط العشرات منهم، بجرائم سلب ونشل وأحيانا قتل أو أن يكونوا مطلوبين في ملفات مخدرات، سطو مسلح وغيرها من الجرائم...


المفارقة هي أنّ جرائم السلب بقوة السلاح، تحصل بغالبيتها على دراجات نارية، أي يرتكبها أشخاص على دراجات نارية، وعدد لا يستهان به من ضحاياهم، يكونون أيضا على دراجات نارية.

وكنا كشفنا في الجزء الأول، بالأرقام، تراجع جرائم السلب بنسبة 80 %. في المقابل، يكشف الجمل أنّ «عدد شكاوى سرقة الدراجات قد ارتفع»، وهو ما يردّه إلى ثقة المواطن باسترجاع دراجته المسروقة، بعد توقيفات شرطة بيروت لدراجات مسروقة ردت لأصحابها، علمًا أنه بالأرقام، تمّ توقيف 40 شخصًا بسرقة مركبة (دراجة نارية) في الأشهر الثلاث الأخيرة.



15 % فقط يسترجعون دراجاتهم!

وظاهرة الدراجات النارية انتشرت مع الانهيار، لكلفتها الرخيصة مقابل السيارة، وفي بيروت لجأ إليها الكثيرون لميزة «التنقل السريع» للهرب من ازدحام العاصمة، وباتت ثابتة لتطبيقات الديلفري، لكن هذه الظاهرة كانت غير منضبطة، إذ رافقتها مخالفات بالجملة تسبب الانهيار ببعضها، بدءًا من عدم تسجيلها (بسبب إغلاق النافعة العام الماضي، أو هربًا من كلفة التسجيل)، وصولًا لعدم وضع الخوذة أو التقيد بالإشارات المرورية، والسير عكس السير، ما جعلها بعددها الكبير في بيروت، تشكل تحديًا على السلامة العامة فيها، وهو ما يتبين بعدد حوادث السير التي تحصل مع دراجات نارية. أما في الأمن، فحدث ولا حرج: بدءًا من سرقتها، وقيادتها مسروقة، وصولًا لارتكاب جرائم سلب، وتجول مطلوبين عليها.


الفقر خلال الانهيار ليس مبررًا ليخالف المواطن، فعليه أن يلتزم بالقانون، يقول الجمل، إلا أن بعض المواطنين في لبنان يعملون على قاعدة «ما بدي سجل، بدّي إطلع عكس السير، وما بدي حدا يوقفني»، وجهل المواطن اللبناني بقانون السير، وحبه للفوضى، عمّقا من مخاطر الدراجات النارية على السلامة العامة، يقول الجمل، مسندًا مهمة التوعية لتضافر الجهود مع وزارة الإعلام، عبر إعلانات على وسائل الإعلام حول قيادة الدراجة ومخالفات السير. لكن حتى هذه الجهود برأيه، غير كافية.

في السياق، يشبّه الجمل معالجة ملف الدراجات النارية، بمعالجة «تسرب المياه في حنفية مفتوحة»، فحجز الدراجة النارية المخالفة، لا يعني بالضرورة أن المشكلة قد حلت نهائيًا.


وبالأرقام، حجزت شرطة بيروت 4045 دراجة نارية بين نيسان وحزيران الماضي أي خلال 3 أشهر فقط. الرقم الكبير للحجز، ليس الصدمة الوحيدة في هذا الملف، فالصدمة الأكبر هي أن بين 10 إلى 15 % فقط من أصحاب هذه الدراجات النارية يستردونها وفق ما يكشف الجمل، فيما البقية تفضل شراء دراجة جديدة غير مسجلة أيضًا، على دفع تكاليف رفع الحجز عن الدراجة وتسجيلها، وهكذا تستمر الدوامة.


والمشكلة برأي قائد شرطة بيروت تبدأ منذ اللحظة الأولى لشراء الدراجة، فتسجيلها غير إلزامي عند الشراء، والأسوأ أن بعض التجار يشحنون قطع دراجات ويجمعونها في لبنان، أي أنها لم تدخل البلاد كدراجة، وهنا يبدأ الخطر يأخذ بُعدًا أمنيًا، لا يقل عن الخطر على السلامة العامة، ليحولها آفة اجتماعية على مستوى الوطن، وإن كانت تتجلى في بيروت.

وعن اقتراحه للحل، يقترح «إيقاف استيراد الدراجات النارية 5 سنوات»، ريثما تتم «قوننة» الدراجات النارية الموجودة في لبنان، تزامنًا مع تعديل قانون السير، ليكون أكثر صرامة بحق سائقي الدراجات المخالفين، بهدف ردعهم عن ارتكاب المخالفات (إن سارت دراجة عكس السير واصطدمت بسيارة، يقع الحق على صاحب السيارة في القانون الحاليّ).



محاضر «ممنوع الوقوف» أو مرآة الانهيار

السير في العاصمة بيروت، هو «معاناة» بكل معنى الكلمة. كيفما «برمت رح تعلق بعجقة»، من الأشرفية ساحة ساسين إلى إشارة السوديكو، إلى وسط بيروت، المتحف، العدلية... فيما «الكابوس الأكبر» هو خط كورنيش المزرعة، الشريان الرئيسي للمدينة.

وينوه قائد الشرطة بأننا اليوم في صدد حل أزمات «تراكمت» خلال سنوات الانهيار الاقتصادي وتداعيات انفجار مرفأ بيروت، كتعطل غالبية كاميرات الرادار (الجزء الأول من المقابلة)، وتعطّل عمل جزء كبير من غرفة التحكم المروري، الذي انعكس ازدحاما للسير.


يشرح الجمل، في كورنيش المزرعة هناك «3 إشارات مرورية في 100 متر فقط، ومع تعطل عمل غرفة التحكم المروري، لناحية تحليل المعلومات عن عدد السيارات التي تمر يوميًا، وأوقات ذروة الازدحام المروري، خسرنا نظام «الـتزامن» أو synchronisation للإشارات المرورية، الذي كان يضمن عدم هدر الوقت، بحيث تفتح الإشارات الثلاث بالتزامن، عوض أن يعلق السير بين الإشارات، كما هو حاصل اليوم.

ركن السيارات «همّ كبير» في بيروت، إذ لا مواقف سيارات كافية، وهو ما تجلى في الحرب الإسرائيلية الأخيرة على لبنان، حيث باتت شوارع المدينة 3 خطوط لصفوف السيارات في الشارع الواحد أحيانًا.



وبالأرقام، يلفت الجمل إلى أن محاضر «ممنوع الوقوف»، هي الأكثر عددا: فمن أصل 38205 محاضر في الأشهر الثلاثة الأخيرة، هناك 26186 محضرًًًًا «ممنوع الوقوف».

فخلال الانهيار، لم يعد محضر السير «موجعًا». يغمز الجمل من قناة سعر الضبط (500 ألف ليرة)، «الأرخص» من «صفّة» الباركينغ، مشيرًا إلى أن غياب الباركميتر، أثّر سلبًا أيضًا، فلم يعد المواطن يخشى إزالة سيارته بالرافعة بعد 5 أيام من إيقافها.



مخلفات الانهيار والشراكة مع البلدية

«ليس كل الحق على قيادة شرطة بيروت» يقول الجمل، فنحن أيضًا تأثرنا بالانهيار، كتدني رواتب العناصر الأمنية، وتخمة عدد الموقوفين لدى شرطة بيروت... وصحيح أن هناك إصلاحات، فمقابل حالات الفرار، تمّ إدخال عناصر نساء لشرطة بيروت من الدورة الأخيرة (الجزء الأول)، لكن حتى لو كانت شرطة بيروت بحالة نموذجية، فهناك مشاكل في المدينة لا تقع مسؤوليتها علينا، بل على جهات أخرى، والانهيار عمّقها ونشارك بحلولها قدر استطاعتنا، لأنها تؤثر بشكل مباشر على السير في بيروت، والأمن فيها.



الإشارات الضوئية، والتي تدخل في صلب السلامة المرورية، جزء كبير منها معطل. يكشف الجمل أننا «نسعى اليوم عبر جهود مشتركة لإصلاحها وذلك بالتعاون مع المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي، بلدية بيروت، والمجتمع المدني».

إشارات السير، أيضًا، تكاد بغالبيتها تكون غائبة: كإشارة ممنوع الوقوف، ممنوع الالتفاف، ممنوع المرور، وغيرها. وفي حين يقع إصلاح هذه الإشارات على بلدية بيروت، يطمئن الجمل بأنهم «وعدونا بمعالجة هذا الملف قريبًا».



أما في مجال التنسيق مع البلدية، فيؤكد أنه يحصل «ضمن ضوابط معينة»، عبر تقيد تام بالتوجيهات والتعاميم الصادرة عن وزارة الداخلية والمديرية العامة لقوى الأمن الداخلي، ونحن في صدد التنسيق مع البلدية قريبًا في ملف مخالفات البسطات.

ويعيد الجمل التأكيد بأنّ «الوقت كفيل بأن يشعر أهالي بيروت بالأمان في مدينتهم، فنسبة الجريمة انخفضت في بيروت، والأيام كفيلة بجعلهم يشعرون بتغير ملموس، وهذه وظيفتنا، تحقيق الأمن والاستقرار.



الثقة... بالساهرين على الأمن

والحال أن انخفاض نسبة الجريمة في بيروت، مع تطبيق الخطة الأمنية بتوجيهات من وزير الداخلية أحمد الحجار وتعليمات من مدير عام قوى الأمن الداخلي رائد عبدلله، إنما تطمئن أهالي المدينة، لكنّ هذا ليس كافيًا لعودة الشعور بالأمن فيها لسابق عهده.

فالعاصمة أو «منارة الشرق»، تنقصها الإنارة في شوارع عدة اليوم، فيما العتمة أو الظلام هو بيئة آمنة للجريمة. وهنا يأتي دور المجلس البلدي الجديد في بيروت، لتصحيح المسار الذي سلكه المجلس السابق.



لدى تفقد وزير الداخلية مقر قيادة شرطة بيروت منذ أيام، شدد على أنّ «العاصمة تستحق منا عملًا متكاملًا يعيد الثقة بالدولة ومؤسساتها». والسؤال اليوم: هل تترافق الخطة الأمنية، مع برنامج إنقاذ متكامل تحمله البلدية؟ فالشعور بالأمن ليس «أرقامًا» منخفضة للجريمة وحسب، بل ثقة بالدولة ومؤسساتها، وثقة بالساهرين على أمن العاصمة، وكذلك ثقة بالساهرين على إنمائها، ولا قيام لدولة المؤسسات في لبنان، إن لم تكن عاصمته «آمنة».